ما زالت الأطراف الثلاثة المهيمنة على الوضع السياسي في العراق «أمريكا وإيران والمرجعية الشيعية العليا الممثلة في علي السيستاني» تعول على اتفاق المكونات العراقية الرئيسة «الشيعة والسنة والكرد» في تشكيل حكومة وحدة وطنية لإنقاذ البلاد من حالة الاحتراب القائمة التي تنذر بعواقب وخيمة ليس على العراق فحسب، بل على المنطقة بأسرها .. رغم أنها تدرك تماما استحالة وصول هذه المكونات المتناحرة إلى إقامة اتفاق دائم يذيب جليد الحقد والكراهية الشديدة بينها من أجل مصلحة البلاد العليا، وإزالة الخلافات العميقة بينها من خلال تكريس نظام حكم محاصصي طائفي وعرقي وتوزيع مناصب الدولة الأساسية بينها، أو عبر الاحتكام إلى الدستور والرجوع إليه، أو عبر عقد اتفاقات استراتيجية ملزمة، ولكن محاولاتها هذه كلها باءت بالفشل ولم تصمد أمام إصرار تلك المكونات على المحافظة على ثوابتها الطائفية والقومية وعدم السماح لها بالانصهار في البوتقة «الوطنية» أو الشعارات التي تتغنى بالوطن ووحدته الزائفة، كما كان في السابق..
وكما فشلت خطط هذه القوى المتحكمة في مصير العراق في ترسيخ المصالحة الوطنية طوال السنوات العشر الماضية، وفرضها على العراقيين، فإنها فشلت أيضا في مراهنتها على قدرة رئيس الوزراء «المالكي» على التحكم في السلطة وإعادة هيمنة الدولة «المركزية» على الأقاليم والمحافظات العراقية، على أساس أن خير نظام حكم يلائم الوضع العراقي هو نظام دكتاتوري يحكم على ضوء مواد الدستور»المنتقاة طبعا» والانتخابات «المزورة» والبرلمان غير الفاعل والكسيح الذي لا يحل ولا يربط. وما زال الطرفان الأمريكي والإيراني يعتقدان أن العراق بحاجة إلى شخص قوي يستطيع لملمة الوضع المتردي في العراق ويعيد الأمور إلى نصابها الصحيح، وهذا ما وجداه في المالكي، فليس من المستغرب أن يقوما بدعم سياسته لحد الآن، رغم دعوات الكرد والسنة المتكررة بوجوب استبداله وتغييره.
وإزاء فشل سياسة المحاصصة الطائفية والعرقية في إدارة شؤون العراق طوال الفترة الماضية وعدم وجود أي دور للدستور والبرلمان في توحيد الفرقاء السياسيين المتصارعين وجمع كلمتهم، تحول الصراع في العراق من صراع سياسي إلى صراع مجتمعي «وجودي»، صراع من أجل إثبات الوجود، كل مكون بدأ ينكمش على نفسه ويحتمي بطائفته أو دينه أو عرقه للمحافظة على خصوصية وجوده المنفصل عن المكونات الأخرى، فبعد أن تولى الشيعة الحكم، أصبح لهم كيان خاص فاعل في رقعة جغرافية واضحة، محاط بقوات عسكرية مسلحة قوية وميليشيات طائفية داعمة، وتشعبت علاقاتهم الدبلوماسية والتجارية مع دول العالم، وكذلك الأمر بالنسبة للأكراد، فإنهم يقيمون إقليما خاصا بهم، يتميز بنشاط تجاري ودبلوماسي واسع مع العالم الخارجي، توجد فيه قناصل ومكاتب دبلوماسية أجنبية عديدة، ويصل حجم التبادل التجاري بينه وبين دول الجوار إلى أكثر من12 مليار دولار، ناهيك عن تحكمه بقوات عسكرية شبه نظامية قوية، المعروفة بـ»البيشمركة»، بينما بقي المكون السني بلا كيان قائم بذاته، ينازع البقاء ويبحث عن وجود له، منذ سقوط النظام البعثي المحسوب على السنة عام 2003، وقد حاول السنة كثيرا أن يشكلوا إقليمهم الخاص ضمن إطار الدستور في المحافظات التي تقطنها الأكثرية السنية، وبالطرق السلمية، ولكنهم جوبهوا برفض قاطع من قبل «المالكي» الذي كان مصرا على حرمانهم من حقهم الدستوري، لذلك قرروا أن يأخذوا حقهم عن طريق القوة، فكانت هجومهم الكاسح على مدينة الموصل في(10 من يونيو 2014) وبسط سيطرتهم عليها والتمدد نحو المحافظات القريبة من بغداد إيذانا بإقامة الإقليم السني أو الدولة السنية المرتقبة.. وإذا كانت أمريكا ومعها إيران والمرجعية الشيعية العليا، القوة الحقيقية المتحكمة في مفاصل العراق، أرادت أخيرا أن تتدارك الأمر وتصحح أخطاءها من خلال تشكيل حكومة وحدة وطنية يشارك فيها كل المكونات العراقية الأساسية، بقيادة أخرى غير القيادة الحالية، وبنفس وطني حقيقي، فإنها تلعب في الوقت الضائع والأوان قد فات على ذلك، كان من المفروض عليها أن تضغط على «المالكي» لتلبية مطالب المعتصمين السنة في محافظة «الأنبار» عند اندلاع أول شرارة للاحتجاجات الجماهيرية ومنعه من قصف المدن المنتفضة بالمدافع والأسلحة الثقيلة، وكان على هذه القوى المتنفذة أيضا أن تمنع المالكي من وضع حصار شديد على الأكراد وقطع الميزانية عنهم.. وإذا كانت محاولاتها منصبة اليوم على منع العراق من التفكك والتقسيم الذي لا مفر منه، وخاصة بعد التغييرات الأخيرة لخارطة العراق، فإن أي ضغط على الكرد والسنة للمشاركة في الحكومة العراقية القادمة، لا معنى له وغير ذي جدوى ..لأن العراق فعلا قد انقسم وانتهى أمره..
حكومة الوقت الضائع
محمد واني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
