تعرقل الأمراض المزمنة، بحكم خاصية الثبات والاستمرار، عديدا من مبادرات تعزيز الصحة العامة، إلى هذا تتشكل في أعقاب مواجهتها والتعامل معها علاجيا حلقة واسعة من الأسباب الضاغطة على الموارد المالية لأي منظمة صحية في أي بلد في العالم، من هنا تأتي أهمية تكاملية الجهود بين الجهات المعنية بتعزيز الصحة بصفة ترقية الصحة العامة مسؤولية مشتركة بين جهات عدة، مع دخول المجتمع على الخط في كل الأحوال وهذا ما يقصد به في أدبيات الإدارة الصحية «المشاركة المجتمعية».
في العموم، الأمراض المزمنة، غير معدية وتندرج تحت باب الأمراض غير السارية، مثل أمراض القلب، السرطان، أمراض الجهاز التنفسي المزمنة، وداء السكري، إلا أنها تشكل في رأي أهل الاختصاص الإداري والفني رأس حربة التحديات الصحية التي تواجه صناع القرار في أي بلد، وهي بشكل عام تضرب بثقلها على طاولة رسم الاستراتيجية الصحية الوطنية وتسهم بطبيعتها في تشكيل جزء كبير منها أو هكذا يفترض.
في السياق، للأمراض المزمنة بحسب التمدد أو الانكماش أن تشكل المعيار الساخن لتحديد سقف الاعتمادات المالية المخصصة للإنفاق على الخدمات الصحية بشكل عام كما أفهم، بمعنى أن هذه الأمراض تحرك الرقم إلى اليمين كلما توسعت مساحة الإصابات بها، وهذا يضغط على الميزانية العامة لأسباب من أهمها رفع التكلفة التشغيلية الموجهة لاستيعاب طول أمد الرعاية اللازمة للسيطرة على الأمراض المزمنة التي ترافق حياة المصاب حتى اللحظة الأخيرة، هذا إلى جانب تقلبات السوق الدوائية وجنوحها إلى التصاعد.
تشير «المراجع» ومنها صحيفة عكاظ عدد 4311، إلى أن 8 أمراض تستحل خريطة الأمراض المزمنة في السعودية على النحو التالي: السكري، السمنة، ضغط الدم، أمراض القلب، الأمراض الوراثية – الأنيميا المنجلية والتلاسيميا، السرطان، الأمراض النفسية – وتشمل القلق والتوتر والاكتئاب، إضافة إلى الربو وهو من الأمراض التنفسية، وعلى الهامش يدور الرأي المحلي المختص حول علاقة ارتفاع الأرقام بمستوى الوعي المجتمعي السائد، عطفا على تدني مؤشر تفاعل المجتمع وقائيا مع السلبيات المرتبطة بالمتغيرات المتسارعة في نمط المعيشة وأسلوب الحياة، وكأني بهم هنا يلوحون بوثيقة اشتراك الأمراض المزمنة في خاصية «الوقاية» في الأخير، يبقى النظر إلى الأمر من هذه النافذة والمراوحة حولها دون تحريك الراكد قليل الجدوى.
اعتقادي أن الهيئات الصحية في العالم العربي استسلمت لتدني وعي الشعوب في المجال الصحي الوقائي تحديدا وتراجعت في تحريكه، وفي الأخير باتت تستعمله للدفاع كلما لزم الأمر في الوقت الذي يقل الحديث بالبراهين عن مخرجات الرعاية الصحية الأولية على الأرض وقياس دورها في مواجهة الأزمة بآليات الكشف المبكر.
في الختام الرعاية الصحية الأولية مفتاح السيطرة على المرض وعلى التكلفة، ليكون توسيع قاعدتها سيد مطالب المرحلة لمن رغب الانطلاق من النقطة الصحيحة.
وبكم يتجدد اللقاء.