(1)
يقول الخبر «إن وكيل وزارة التعليم (للتخطيط وتقنية المعلومات) د.عبدالقادر الفنتوخ، أفاد - في إحدى فعاليات معرض القاهرة الأخير للكتاب - أن المملكة أصبحت الأكثر نموا وتميزا في اقتصاد المعرفة في منطقة الشرق الأوسط، وأن المملكة حققت أعلى نسبة نمو في الإنتاج البحثي بين مجموعة الدول العشرين، خلال السنوات العشر الأخيرة»!
(2)
وأقول: إن الخبر يثير الكثير من التساؤلات، ويعج بالعديد من المفارقات بين الخبر والواقع! فهل أصبحنا بين عشية القاهرة وضحى الرياض (مجتمعا للمعرفة)؟ بل والأكثر نموا وتميزا في معطيات ذلك المجتمع على مستوى الشرق الأوسط! أين كان يخفي الدكتور الفنتوخ هذه الحقيقة السارة؟ التي أظنها كانت غائبة على المتابعين لأثر المؤسسات التعليمية والثقافية في الواقع، وفي المشهد الحضاري الكوني العام!! هل يعرف طلاب التعليم (العام)، أو التعليم (العالي)، ومعلموهم معا، في بلادنا هذا السبق المعرفي المدهش؟، إذا كان من المستبعد أن يعرف ذلك المنجز الحضاري إنسان الشارع (العادي)، الذي لا يرى غير حشود بشرية هائلة تقف منتظرة على بوابات الأسواق والمقاهي وملاعب الكرة..!
أزعم أن خبرا كالذي نقله د.الفنتوخ، ليس دقيقا تماما.. أو ربما أنه قد فاتني أن تلك التداعيات من خطط المستقبل القريب!
لأن الواقع يفصح عن فقر هائل في مخرجات التعليم بنوعيه، وعن طغيان الثقافة الرياضية والشعبية في الذهنية الجمعية العامة، وعن خلو المكون الاجتماعي تماما من أيه اهتمامات معرفية أو حضارية ما. كما أن ذلك الواقع يشير إلى ضعف (مضاعف) في المستوى القرائي لمعظم أطياف المجتمع، وإلى تجاهل مؤلم لأصحاب الابتكارات وذوي الأفكار الإبداعية المنتجة، وانفصام ضخم بين مخرجات التعليم والسوق الاقتصادي العام...!
ومع ذلك.. فـ(ربنا) العلي القدير يسمع منك يا دكتور، فإذا وصلنا (حقا) إلى (مجتمع المعرفة) فإن ذلك يعني القضاء على معظم وأهم وأشد مشكلاتنا مع منهجيات التعليم وواقع مؤسساته، ومع الخطابات العاطفية الانفعالية التي – وحدها - تؤثر في شبابنا (المتعلم)، لترمي بهم في أتون دواعش القتل والتخريب.. (الله يسمع منك يا دكتور).. فمعنى أننا انتهينا إلى ذلك (المجتمع المعرفي)، أنه قد (تحللنا)، من نوازع التطرف الآثم والعنصريات البغيضة ونبذ كل شواهد العلم والأدب والجمال..
(3)
ألا ترى معي يا دكتور أن أبرز شواهد (مجتمع المعرفة) هو وجود جيل جديد، يكون لأفراده توجهات معرفية جديدة، وقدرات عالية على التأمل والتفكير والإبداع، تمكنهم - لاحقا - من تأليف مجموعة (عمال المعرفة)، الذين تنهض بهم مجتمعات المعرفة الحقيقية!
(4)
وألا ترى معي في لحظة حاسمة للموضوع أن أبرز شواهد مجتمع المعرفة، هو تضييق الفجوة بين فئات وأطياف المجتمع، بحيث تجدهم (يلامسون) جميعا أطيافا مشتركة من نداءات الحضارة وهاجس العلم وأصداء العقل.
الواقع يفصح عن نخبوية طاغية في تصنيفات المجتمع، بحيث تجد نخبا قليلة من الأكاديميين والمعرفيين (داخل الجامعات) والمثقفين المهتمين بالمعرفة ومخرجاتها وتطبيقاتها المتنوعة، في مقابل مجتمع كامل (إلا.. قليلا) لا يزال يرزح تحت وطأة المفردة الشعبية والأطلال القديمة والأصوات الصارخة والمقولات (الشخصية) والأسماء المقدسة المنزهة (طبعا) عن (أساسيات) المعرفة الحقيقية الخالصة!
(5)
وأخيرا.. فإن الفجوة تلك، تزداد رسوخا ونحن نستمع إلى مثل تلك الخطابات النخبوية، التي لا تتورع أن تقول بأعلى صوت «إن التعليم في بلادنا يشهد تطورا ونهوضا غير مسبوقين في التعليم السعودي»..
الفجوة إياها بين (المعرفة) و(تجلياتها الحقيقية).. وبين (ما يقال) و(ما هو كائن بالفعل)..!