«عندنا اقتصاد وطني، صناعات وطنية، تربية وطنية، أحزاب وطنية، مدارس وطنية، أناشيد وطنية، أقلام وطنية، دفاتر وطنية، مدافئ وطنية، بترول وطني، أحذية وطنية، شحاطات وطنية، حمامات وطنية، مراحيض وطنية، ولكن ليس عندنا وطن» (محمد الماغوط)
اللورد ذو الوجهين: وقف البيروقراطي المخضرم اللورد كريس باتن –آخر حاكم بريطاني لمستعمرة هونج كونج- على منصة قاعة الاجتماعات الكبرى المطلة على الخليج العربي، وتأمل لبرهة الوجوه المتطلعة إليه، ثم ابتسم مستهلا محاضرته بالملاحظة التالية: «أرى بين الحضور عربا وأفارقة وآسيويين وأوروبيين وأمريكيين ولاتينيين، ومعظمكم يحمل هواتف مصممة في الولايات المتحدة أو كوريا ومصنوعة في الصين، وملابسكم من قطن مصري أو بنجالي أو من صوف إنجليزي وصُممت في إيطاليا وحيكت في تركيا أو رومانيا، الأحذية من جلد روسي وصنعت في البرتغال، العطور فرنسية، الأوراق نتاج غابات البرازيل، الساعات سويسرية، المقاعد التي تجلسون عليها ماليزية، الميكروفون الذي أحدثكم من خلاله ألماني، الشاشات التي تعرض صورتي في الخلفية يابانية، ومحطة الكهرباء التي توفر لنا الطاقة كندية تعمل بوقود سعودي، كل هذا في فندق بإدارة بلجيكية، في جزيرة العرب
نحن أنفسنا في هذه اللحظة بالذات نمثل الدليل الحي على القوة القاهرة للعولمة»
وبالطبع دوت القاعة بالتصفيق، فاللورد الوسيم رغم تقدمه في السن، والبارع طبعا في لعب الجولف وقيادة السيارات البنتلي والرولزرويس، استخدم الحيلة الأولى في كتاب «كيف تكون خطيبا مفوها»، وهي ببساطة ربط الحاضرين ربطا شخصيا بموضوع الخطاب، بحيث يصبح وجودهم في حد ذاته دليلا على صحة وقوة حجة المتحدث البارع! وهكذا تحمس الجميع للنتيجة التي وصل إليها فخامة اللورد؛ ففي زمن العولمة الذي نعيشه، لا مكان للوطنية بصيغتها التقليدية، ولا للوطن بمفهومه التقليدي المحدود، ليصل فخامته إلى جملة الختام البراقة التالية: «أنا مواطن عالمي، وانتمائي أوسع من وطن صغير، العالم كله وطني، وأدعوكم جميعا للخروج من ضيق الارتباط بأوطانكم إلى رحابة العولمة»
وقد نال اللورد التصفيق الحماسي مرة أخرى مكافأة له على اختتامه المسرحي الفخم لمحاضرته، ولا أخفي عليكم أنني بدوري تأثرت ببلاغته (اللوردية) واستخدامه الحي لمفردات إنجليزية مأخوذة رأسا من مسرحيات شكسبير، لكن ضوء التحذير الأحمر كان يومض في ذهني، ويمنعني من التصفيق للرجل بالهمة الواجبة!فاللورد الهُمام الذي يروج على ضفة الخليج العربي لـ (اللاوطنية) يعد هو نفسه واحدا من الوطنيين الإنجليز المغالين في وطنيتهم، وهو صاحب المقولة الشهيرة التي طالما نقلتها عنه الصحف البريطانية: «انصياعاً لموجة العولمة الكاسحة صرت أعتبر العالم كله وطناً لي، لكن بريطانيا تظل مركز هذا العالم!»، فلماذا يريد منا أن نقتنع بأن العولمة بصورها السلعية التي أحسن في وصفها مضادة بالضرورة لمشاعر الانتماء للوطن وللعمل الجاد في سبيله؟ وكيف يجرؤ حاكم سابق لمستعمرة بريطانية على الإسهاب في الحديث عن عدم أهمية الحرص على مصالح الوطن، بينما يفخر هو شخصيا بأنه الخادم المخلص لمصالح التاج البريطاني؟ قليل من التأمل كشف لي حقيقة الأمر، أو هكذا أظن على الأقل
إن ما قاله اللورد باتن هو الوطنية بعينها، باعتبار الوطنية هي خدمة مصالح الوطن بكل الطرق المشروعة وغير المشروعة، الأخلاقية وغير الأخلاقية، ومن مصلحة أهل العالم الأول الثري المتقدم علميا والمنظم اجتماعيا وسياسيا، أن ينأى أهل العالم الثالث بأنفسهم عن أوطانهم، وأن يكفوا عن الارتباط بها عاطفيا، وأن يخلوا بينها وبين «الخواجات» يستغلون ثرواتها، ويدمرون بيئتها، ويوجهون سياساتها
كان كريس باتن يخدم وطنه إنجلترا حين قال ما قال، بأسلوبه المنمق
ونحن نخذل وطننا حين نصدقه
وأنا هنا لا أدعو لشوفينية مرذولة تجعل العربي منا يظن أن وطنه «خير» الأوطان، وأن العرب أفضل من باقي البشر
كلا
كل ما هنالك أنني أحذر من انقطاع الحبل السري العاطفي الذي يجعل الواحد منا تلقائيا خادما لوطنه ومصالحه، غيورا عليه، مع يقينه بأن مواطنيه هم كباقي البشر لا خير منهم ولا شر منهم، غير أنه ينتمي إليهم، ويسعى لخدمتهم ما استطاع
ويظل أخطر ما يمكن أن تتمخض عنه محاولات الغرب لطمس الانتماء الوطني لدى أهل الجنوب، هو ردات الفعل العكسية المتطرفة التي تدفع البعض لمحاولة التشبث بالهوية عن طريق التشدد الديني
وأزعم أن موجات العنف المتلاحقة بوجوهها الدينية والطائفية والسياسية تلك التي تعصف بالإقليم الآن وقد ذاق العالم مرارتها من قبل منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001 ما هي إلا محاولات مستميتة ومذعورة للاتكاء على هوية ما في مواجهة الآخر (الغربي) الذي يسحب بساط الهوية من تحت أقدامنا بقسوة وغباء لا حدود لهما
والغريب هنا أن إدراكنا لمحاولات الغرب والغربيين السقيمة هذه ومن ثم إبطالها، هو في مصلحتنا قطعا، ولكنه في مصلحة الغرب أيضا!اثنتا عشرة تغريدة عن الوطن:- يشعر المرء باليُتم حين يكتشف أن وطنه أضأل كثيرا مما كان يتصور في يفاعته
- حتى من يحبون وطنهم، ولا يجبنون عن الموت في سبيله، تراهم يتكاسلون عن العمل بإتقان من أجله
- قلة فقط يدركون أن الوطن ليس الأغاني الوطنية الحماسية، بل الوطن هو المواطنون، والوطنية هي خدمتهم، والرفق بهم، والإحسان إليهم
- لا يمكن أن يكون الوطن أسعد حالا من سكانه، ولا أذكى منهم، ولا أقوى، ولا أثرى
- يحلو لنا أحيانا أن نشتم أوطاننا، لكن بحنان بالغ، ودون أن نسمح للغرباء بالاشتراك معنا
- كبرياء البعض يدفعهم للاعتقاد بأن وطنهم ثري جدا، ويخجلون من الاعتراف بفقره
- لا توجد مؤامرة عالمية ضد الوطن، لكن ربما توجد مؤامرة محلية ضده؛ اسمها التواكل والكسل
- كلما ازداد حبك لوطنك، ازداد تقديرك لحب الآخرين لأوطانهم
- أنت تحب وطنك، لكنك تلوث بيئته، وتفرط في صيد حيواناته البرية، وتسرف في استهلاك موارده، فماذا كنت ستفعل لو أنك تكرهه؟- النضج هو إدراك أن حدود الوطن ليست حدود العالم
- حتى لو أن وطنك أدار ظهره لك، لا تطعنه في ظهره
- جَمّلْ وطنَكَ بألا تكون أنت قبيحاً
ضد الوطن!
5 دقائق للقراءة

حجم الخط
