الأحياء المكية ما بين التأصيل والتحريف وضياع الهوية
فيصل السلمي - مكة المكرمة
تحتل مكة المكرمة أهمية كبرى في نفوس المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، فتهوي إليها الأفئدة من كل حدب وصوب إما لعمرة أو حج. وكثير من الزوار والمعتمرين والحجاج، مطلع على السيرة النبوية، لذا يأتي وهو حريص على زيارة المواقع التاريخية التي ارتبط اسمها بمواقع وأحداث تاريخية وقعت للنبي صلى الله عليه وسلم، فتجدهم عند زيارتهم للعاصمة المقدسة يذهبون إلى مثل هذه المواقع التاريخية الموجودة في السير والمصادر التاريخية.
و»هنا يأتي دورنا نحن في المحافظة على هذا الإرث التاريخي وعرضه بدون أي تحريف أو تحديث حتى نكون صادقين مع أنفسنا ومع الزوار الذين يأتون للبحث عن مثل هذه المواقع«، وفق ما يقول الباحث في التاريخ الدكتور فواز الدهاس.
ويضيف: واجب علينا التحري عن هذه المواقع التي لها ارتباط وثيق بالسيرة حتى تكون مكة بمسمياتها كما جاء في المصادر، وإلا ننجرف وراء المسميات التي اختلقها بعض العوام الذين يجهلون الجذور التاريخية لهذه المواقع وهي دعوة صادقة لإعادة النظر في المسميات وبخاصة تلك التي تعمل كلوحات إرشادية على الطرق الداخلية لمكة المكرمة. ويسرد الدهاس بعض الأمثلة عن تسمية بعض الأماكن وما يجدر به أن يكون:
وادي إبراهيم
- هو أساس مدينة مكة المكرمة بل هو اسم من أسمائها، وقد ورد ذكره في القرآن الكريم بقوله تعالى ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ). ويمتد هذا الوادي من شمال مكة إلى أقصى جنوبها. ويطلق عليه اليوم عدد من المسميات من مكان إلى آخر. فالطريق المتجه إلى الشرائع يعرف بطريق الملك فيصل، وفي المعابدة يطلق عليه طريق المسجد الحرام، وهذا الطريق بالكامل هو امتداد لوادي إبراهيم عليه السلام، كما ورد ذلك في المصادر التاريخية، والأجدر أن يسمى وادي إبراهيم.
الشرائع
- يمتد نطاقها من مخطط اللحيانية وحتى ما بعد أعلام الحرم، ويمكن أن تأخذ مسميات لها ارتباطا وثيقا بالتاريخ كمنطقة حنين، حيث وقعت فيها المعركة الشهيرة حنين من العام 9 هـ بين المسلمين من جهة وثقيف وهوازن من جهة أخرى. وحنين منطقة مزارع ومياه غزيرة وهي التي سميت في التاريخ العباسي بعين حنين التي أجرتها السيدة زبيدة زوجة هارون الرشيد إلى مكة لتزويد الحجاج بالماء، فالأجدر إطلاق اسم حنين بدلا من الشرائع للدلالات التاريخية على هذا الاسم.
جبل النور
- تواجهك لوحة وأنت قادم من الطائف مكتوب عليها جبل النور، وليس في المصادر التاريخية أصل لهذا المسمى، فهو جبل غار حراء الذي نزل فيه جبريل عليه السلام على المصطفى صلى الله عليه وسلم وأقرأه القرآن، وأيضا هو المكان الذي تعبد فيه النبي عليه الصلاة والسلام قبل الرسالة. وقد سمته العامة باسم جبل النور تيمنا لما نزل على النبي صلى الله عليه وسلم من نور القرآن وكان الأجدر أن يسمى جبل غار حراء.
ريع ذاخر
- وفي الأصل ثنية أذاخر وهي الثنية التي دخل منها النبي صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة. وتسمى الآن بريع ذاخر أو محرفة باسم ريع زاخر، والأولى تسميته “ثنية أذاخر”.
الحجون
- وهي الثنية التي دخل منها الصحابي الجليل الزبير بن العوام في فتح مكة وعرفت في السيرة النبوية بثنية كداء وهو الاسم الأجدر الذي يطلق على هذه المنطقة باعتبار أنه هو الثابت وليس ما يسمى بالحجون.
الطندباوي
- والأصل هي التنضباوي وهذه المنطقة تعدّ من وادي الليط المعروف واشتق اسم التنضباوي من شجرة التنضب الذي يكثر في هذه المنطقة. وقد قال عن هذا الحي الشيخ أحمد السباعي إنه اسم أعجمي وفد مع إخواننا الأفارقة الذين اتخذوا منه بعد ذلك سكنا لهم ولأسرهم تحت هذا الاسم.
النكاسة
- فقد كان هنالك قوز رملي في هذا الموقع ويسمى بقوز المكاسة لأنه كان يمثل المدخل الوحيد لمكة من الناحية الجنوبية فإذا جاءت القوافل التجارية أخذ عليها المكس من بعض أمراء مكة في ذلك الزمان فأطلق على المنطقة بقوز المكاسة وحرف الاسم إلى النكاسة.
الثبيتي: مكة تتغير باستمرار
- أشار المتخصص في جانب الدراسات السكانية والعمرانية والاجتماعية الدكتور خضران الثبيتي إلى أن مكة المكرمة تعيش انتفاضة عمرانية متلاحقة لا سيما في هذا العصر، فتعيش النهضة وتتغير معها المعالم الرئيسة حتى الجبال وتتغير معها بعض الأسماء، فمكة الآن ليست كما كانت قبل 10 سنوات و20 سنة كما أنها ليست على نفس الحال التي كانت عليه في العصر الأموي والعباسي فلذلك هي متغيرة بشكل مستمر. وأضاف: أما موضوع تأصيل الأسماء وإرجاعها إلى أسمائها التي عرفت بها في الماضي فيحتاج إلى عناية وتتبع بين الماضي والحاضر، إضافة إلى أن كتابة أسماء الشوارع تخضع لمؤسسة رسمية، ويعتمد في تطبيقها على الجهات الرسمية ومع هذا لا يمنع من مشاركة الأفراد والمؤسسات في مساهمتها بدغدغة المشاعر لعل وعسى. وأشار الثبيتي إلى أن هنالك مسميات غير لائقة ودخيلة أطلقت على بعض أحياء مكة وحاراتها ولا بد من النظر فيها.
لجنة الترقيم: نستقبل المقترحات
- أشار الناطق الإعلامي لأمانة العاصمة المقدسة أسامة زيتوني إلى أن هناك لجنة معنية بمسميات المواقع في مكة المكرمة يطلق عليها اسم “لجنة التسمية والترقيم” تضم عددا من المختصين البارزين في عدد من المجالات كمختصين في مجال التاريخ أو أكاديميين لهم صلة بهذا الأمر، ويأتي على رأس هذه اللجنة أمين العاصمة المقدسة الدكتور أسامة البار. كما تقوم لجنة الترقيم والتسمية بعدد من الاجتماعات لمناقشة الأمور المستجدة والطلبات المقدمة إليها من قبل المواطنين وتبحث كذلك في كيفية المحافظة على أسماء الأحياء حتى بعد تطويرها.
.. ومكيون يأسفون للتحريف
- عبر عدد من المواطنين عن أسفهم للتحريف الذي وقع لأسماء عدد من الأحياء والشوارع المكية التي كانت أسماؤها مرتبطة بالأحداث التاريخية. ويقول خالد يحيى اللهيبي: من الأجدر إرجاع المسميات إلى أصولها التاريخية مثلما عرفت به سابقا ورفض التحريف أو المسميات العامية التي أطلقت على بعض المواقع التي كان لها ارتباط وثيق بالسيرة النبوية. فالمطلع على التاريخ وعلى الأحداث التي وقعت في واحة مكة المكرمة يعي تماما أن هنالك مواقع موجودة بغير اسمها التاريخي وهذا الأمر نرفضه تماما عقلا ومنطقا، ولا بد من إرجاع أسماء المواقع التاريخية إلى أصلها وتجنيبها التحريف التي منيت به. من جانبه يقول فهد حمدي الغامدي إن “المحزن في الأمر أن كثيرا ممن يأتون من خارج السعودية مطلعون على السير النبوية وعندهم إلمام بالمواقع التاريخية التي حصلت فيها الأحداث بمكة زمن النبي صلى الله عليه وسلم، فهم حريصون كل الحرص على زيارتها وتوثيقها بالصور، ولكن عندما يتجهون إلى عدد من المواقع التاريخية الموجودة في السير النبوية ويجدونها بأسماء أخرى غير الأسماء التي عرفت به في التاريخ يقعون في حيرة واستغراب. ويستغرب صالح رشيد الأحمدي عدم تحرك الجهات ذات العلاقة وتحريها عن مثل هذه المواقع التاريخية، فلا بد من أجل الحفاظ على هذا الإرث التحرك وبسرعة في إيجاد المواقع وإحصائها والعمل على تأصيلها ثم إرجاعها إلى مسمياتها التي عرفت بها في التاريخ النبوي، وكذلك ما ذكرته بعض المصادر التاريخية القديمة.

