ما لم يتنبه إليه في المجتمع الإسلامي عدا من القليل من العلماء والمفكرين والمثقفين، أن التكفير نوعان:- تكفير مسلح وهو الذي نشاهده في الواقع السوري والعراقي والمصري والصومالي وأمثاله
- وتكفير ناعم وهو مجموع أدبيات الغلو الموروث، والغلو المبتكر، والذي يحمل منهجا مفخخا سينفجر في وقت ما، ما لم تمنعه عناية الله سبحانه
منهج التكفير الناعم لمن يجهل أو يتعامى عن الحقيقة أشد خطرا من التكفير المسلح لأن التكفير المسلح يجد من يحد منه ويتعامل معه بحسب ظروفه وتظهر حقيقته للجميع
أما التكفير الناعم فخطره في كمونه وخفائه وفي تقبله على أنه منهج حق وطريق إصلاح، ينتشر في المجتمع تحت شعارات براقة ويسير دون إنكار من أحد خوفا من كلمة الحق أو حياء من الأهل والعشيرة
هذا النوع من التكفير ينطلق بداية من وضع مجموعة من الأحكام ووضعها في قائمة المسلمات وإحاطتها بقداسة فلان وفلان ممن ليسوا أنبياء ولا صديقين، حتى إذا سلم بها الجميع أو استسلموا بالأحرى لها، وضع سدنة هذا الفكر إسقاطاتهم على المراد تكفيرهم وانتهت النتيجة إلى أنهم كفار بالدليل الشرعي وأقوال الثقات من أهل العلم
ومما يؤسف له أن هذا المنهج أسقط على أغلب أمة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والشواهد حاضرة مقروءة ومسموعة ومشاهدة
القتال الدائر بين التكفيريين أنفسهم سببه هذه التنشئة الخاطئة المنحرفة، لأن النفسية التكفيرية مشهورة في التاريخ بسرعة التعامل مع أدنى خلاف اتباعا لمنهجية الإنكار ووجوب البراءة
هذه النفسية التكفيرية لا تتردد في تكفير نفسها فضلا عن الآخرين، لأنها متشبعة بخلفيات التكفير الناعم وأفكاره ولذلك تجد هذا النوع من الناس يخشى على نفسه الكفر إلى درجة الوسوسة، ويدخل كثيرا من الأحكام في مسائل الكفر وانحراف الاعتقاد وقد يكون بعضها من فضائل الأعمال أو المباحات أو المكروهات في أسوأ الأحوال
في بعض الأحيان أو قل في كثير من الأحيان مع الأسف تجد هذا التكفير الناعم تتلبس به مجتمعات بأسرها، فعندما تعتقد طائفة ما بأن الطائفة الفلانية كافرة وترد عليها الطائفة الأخرى بنفس التكفير وكلا الطائفتين تتفقان في الصلاة والقرآن والقبلة والرسول وأصول الإيمان، يتضح لك بأن التكفير الناعم قد أخذ من هذا المجتمع أو ذاك كل مأخذ لأن إعلان التكفير هو آخر المراحل لهذه الظاهرة الخطيرة
وما هو أخطر من ذلك أن التكفير لم يتوقف عند الإسقاط الخاطئ للأحكام بل تحول إلى حالة نفسية مفخخة بانحراف فكري يصعب علاجها
فكيف تفسر تكفير التكفيريين لبعضهم وهم على منهج واحد ومرجعيتهم واحدة وأفكارهم متحدة وفي جبهة واحدة ويتفقون على عدو مشترك؟ ولا سبب للتكفير بينهم إلا الخلاف على غنائم أو زعامة لعاعة من الدنيا؟ إنهم يكفرون أنفسهم ولاشك
لقد وصل الأمر بالخوارج في التاريخ أنهم لا يستبعدون الكفر على الأنبياء بعد النبوة، وهذا مصداق لما قلته من أن التكفير مرض فكري مركب من مرض نفسي يذهب إلى الأمام ولا يتوقف عند شيء