يُجمع الكثيرون على أن «داعش» حربة مسمومة في خاصرة الأمتين العربية والإسلامية، انتهزت تفكك العراق وسوريا، واستقرأت المشهد جيدا، فعزفت لحنها على ربابة الصدور المتعطشة لشعارات (الخلافة/ الدولة الإسلامية/ محاربة النصيرية)، فحينما أثخن الأسد في أبناء سوريا، وأسعرت الطائفية حرائقها التي أوقدها الاحتلال الأمريكي للعراق، وتنامت المقولات التي يشحن بها الدعاة عواطف العوام عن قيام دولة الخلافة، ونهوض الأمة الإسلامية من كبوتها، استغلت داعش كل تلك الظروف والطروحات لصالحها، وتحركت بهدوء النسائم على صدور المتعطشين، حتى كسبت المال والسلاح والثقة، فأطلقها صُنّاعها، لتتمكن فتميطَ اللثام عن وجه مشوه بشع صدم الإسلام والإنسانية جمعاء، وهي لا تتورع عن كل فعل إجرامي شنيع، آخرها حرق الأحياء تنكيلا وبغيا.
زأر حكيم العرب يرحمه الله متألما من صمت العلماء، متعجبا من سكوت العقلاء إزاء تغرير المجرمين وأنصارهم بأبناء المسلمين، فأفاق الجميع على صوته المبارك، وفُتحت الأعين على فظائع الداعشيين، فنظرة ساعة واحدة فقط في موقع «يوتيوب» واستماع شهادات المنشقين الذين غررت بهم؛ تكفي للعنها على أجندتها وممارساتها وأطماعها.
عاد المشايخ للصمت إلا قليلا، وقد سبرتُ صفحات كثير منهم، خاصة المتابَعين بالملايين في «تويتر»، ولم أجدهم يوظّفون تلك المعرّفات الضخمة في تحذير أبناء المسلمين، فتغريدة واحدة يتناقلها الآلاف في لحظات ربما تنقذ شابا وقع بين براثن المغرِّرين المندسّين في فضاءات الانترنت لاصطياد شبابنا واستغلال عواطفهم الدينية، بشهادة المغرر بهم الواقعين في الأسر، أو الفارين من معاقل الظلام والضلال.
تسمّعت محاضرة الشيخ عايض القرني في ملتقى شباب الخبر 2015، ولم أظفر بكلمة من الشيخ تحذّر الشباب من تغرير المجرمين، خاصة والملتقى ينعقد في خضم فاجعة حرق الكساسبة، والتنظير على أشده في فضاءات الانترنت والمجالس، مع أن الشيخ في لقائه عبر العربية قبل أشهر اعترف أن 80% من العلماء صامتون، وأن داعش تنظيم مجرم وصلت غطرسته إلى تهديده وعدد من مشايخ السعودية بالقتل، فلماذا صمت القرني في حسابه، وصمت في ملتقى الخبر؟ ولماذا يقصّر العلماء عن دحر الظلام بأنوار الحقيقة؟ أتراه وغيره رهِبوا تهديدات داعش، أم وراء الأكمة ما وراءها؟يجب أن يدرك الشيوخُ والمثقفون أن طغيان الخطاب الطائفي هو مولِّد التعاطف مع الإرهاب والتطرف، فقد صنعت الطائفية من «صدام» بطلا ورمزا عربيا إسلاميا عظيما، وأغضى اللاوعي عن جرائمه التي ما تزال الأمة تصطلي جمرها، ونسي الضمير الجمعي احتلال الكويت، وصواريخه التي طالت الرياض وحفر الباطن، وجبُنت عن تل أبيب، ولم يروه قمّاعاً لشعب العراق، وها هي صوره على معرفات أبنائنا، وفي فضاءات التواصل الاجتماعي تمجّده وتحتفي به، ولأن داعش أيضا تعزف على وتر الطائفية؛ فإن السُّذج، وقليلي الوعي يرونهم أبطالا سيعيدون للسنة وللإسلام عزّه بالخلافة.
الخلافة الإسلامية يا سادة لم تتعد العصر الراشد، ثم تحولت إلى خلافة صوريّة، حقيقتها ملكيات وعوائل حاكمة من بني أمية إلى العثمانيين، فوهم الخلافة سرابٌ لن يشرب ماءه منتظروه، وإسطنبول تشهد حينما جمع الخليفة المزعوم كل كنوز الأمة وأودعها الاستانة، وغُلّب العنصر التركي على العربي حتى عاش العربُ أحلك مراحلهم حتى تخلصوا من حكمهم الجائر، فأي خلافة تنتظرونها، ألا يحمد الناس مَن جعل حكمهم في أهلهم وذويهم؟ وأترك لخيالكم تصوّر حاكم أجنبي!!بلادنا الآن تشارك في الضربات الجوية مع التحالف الدولي، والإرهابيون قتلوا أبناءنا في مركز سويف الحدودي، وتهديداتهم لأمننا وأمتنا تتزايد، وحراكهم الفاعل عبر الفضاء الالكتروني يتنامى، وما يزال خطابنا للأسف في أدنى درجاته، رغم وجود الكثير من القنوات التي يمكن أن نشحنها بخطابات عالية الصوت والصدق تحصّن أبناءنا، وتحميهم من سموم الفتنة.
فيا علماءنا ودعاتنا ومثقفينا وقادة الرأي فينا ومؤسساتنا، لنهبّ جميعا بكل إمكاناتنا حمايةً لأفكارنا وأبنائنا ومكتسباتنا ووطننا من أطماع (الأعداء)، وكيد الحاسدين.
وجاهل مدّه في جهله «صمتي»!!
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
