تشير استطلاعات الرأي حول أداء الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» أنها لم تحقق الدور المأمول منها في القضاء على الفساد المالي والإداري، وآخرها الاستطلاع الذي أجرته هذه الصحيفة (صحيفة مكة) على موقعها الالكتروني، والذي كان صادماً في نتيجته، فأكثر من 86٪ من المصوتين قالوا إن «نزاهة» لم تقم بالدور المأمول منها في مكافحة الفساد، في مقابل 7٪ يرون أنها قامت بدورها على النحو المطلوب.
أعتقد يقيناً أن نتيجة التصويت كافية لتقييم دور«نزاهة» بعد مضي أربع سنوات ميلادية كاملة، كان يفترض أن يكون لها حضور قوي وواضح، وإنجازات تتحدث عن نجاحها في تحقيق الدور المأمول منها، لكن الواقع يقول إن الهيئة ولدت مشوهة وضعيفة، وانتقلت إليها أمراض الجهات الحكومية التي يفترض أن تقوم «نزاهة» بعلاجها، وأصبح الفساد المالي والإداري ظاهرة ، فنحو 68٪ من السعوديين وفقاً لدراسة نشرتها الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد «نزاهة» يرون شيوعه وتفشيه وانتشاره.
هذه النتائج رسمت صورة نمطية أو ذهنية سلبية لدى المواطن حول أداء «نزاهة»، وبدأ المواطنون يفقدون الثقة تدريجياً في الهيئة، وقدرتها على مكافحة الفساد، هذه الصورة السلبية آخذة في النمو والاتساع، وفقدان الثقة مشكلة عصيبة وكبيرة متى ما تحولت إلى صورة نمطية أو ذهنية في العقل الباطن يجب تداركها قبل أن تستفحل وتكبر.
وتحسين الصورة الذهنية أو النمطية لدى المواطن السعودي حول «نزاهة» أحد التحديات التي سيواجهها الرئيس الجديد للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد الدكتور خالد المحيسن من جهة، وتحسين صورة المملكة في مجال مكافحة الفساد من جهة ثانية، لا سيما أن ترتيب المملكة في مؤشر مدركات الفساد التي تصدرها منظمة الشفافية الدولية لآخر ثلاثة أعوام لا يزال يتراوح بين 57 و 66 على مستوى 177 دولة، حيث كانت في المرتبة 57 في عام 2011، قبل أن تتراجع 9 مراتب في عام 2012 إلى المرتبة 66 عالمياً، لتعود إلى المرتبة 63 عالمياً في 2013، وهي ليست بالمهمة المستحيلة أو الصعبة لا سيما أن لدى « نزاهة» صلاحيات واسعة، وتفويضا رسميا غير مقيد من أعلى سلطة في الحكومة ينص على «عدم استثناء كائن من كان» من الملاحقة والتحقيق والمحاكمة في حال ثبت تورطه في قضايا الفساد.
كل ما يحتاجه الرئيس الجديد للهيئة لتحسين الصورة الذهنية لها، هو العودة إلى الأنظمة واللوائح الداخلية للهيئة، ونفض غبارها وتطبيقها على أرض الواقع، وما لدى «نزاهة» من أنظمتها وصلاحيات قادرة على منحها القوة التي تمكنها من تحقيق الدور المأمول منها، كما فعل وزير التجارة والصناعة الدكتور توفيق الربيعة في تحسين الصورة الذهنية لوزارة التجارة، التي كانت ترتبط بها، وتشير إلى أنها «وزارة التجار»، فهو لم يأت بجديد، فكل ما فعله هو نفض الغبار عن اللوائح والأنظمة التي كانت حبيسة الأدراج، وعمل على تفعيلها، وخلق فريق عمل فعال.
كما يتطلب تحسين الصورة الذهنية لـ»نزاهة» أن تكون في موضع قوة عند مخاطبة الجهات الحكومية ومتابعة قضايا الفساد، وألا تكتفي بخطابات إبداء «الأمل» من الجهات الحكومية لدى مباشرتهم لقضايا تنطوي على شبهة فساد، لأن نظامها منحها بحكم الاختصاص صلاحيات واسعة يجعلها الطرف الأقوى دون الحاجة إلى خطابات الأمل والرجاء، التي أضعفت دور الهيئة كثيراً، وهو ما قاد في النهاية إلى عدم تجاوب مسؤولي بعض الجهات الحكومية مع الاستفسارات التي تطلبها، ولا يعني ذلك أن تكون الهيئة صدامية في تعاملها مع الجهات الحكومية الأخرى.
إلى جانب تفعيل العمل بإقرار الذمة المالية سواء للموظفين أو المسؤولين، الذي سيعيدنا إلى إعادة العمل بقاعدة «من أين لك هذا؟»، والتي لا يمكن تطبيقها قبل تفعيل إقرار الذمة المالية، وأن يكون لها دور فاعل في تأسيس قاعدة بيانات للأشخاص المتورطين في قضايا الفساد المالي والإداري ليتم الاستعانة من قبل الجهات الحكومية عند تعيين من يتولون مناصب قيادية، إذا ما علمنا أن هناك لجنة في هيئة الخبراء التابعة لمجلس الوزراء تدرس وضع ضوابط لمن يتولى المنصب القيادي، ومن بينها ألا يكون قد صدر عليه حكم يخل بالأمانة أو شرف الوظيفة، أو سوابق جنائية، ويتطلب ذلك وجود قاعدة بيانات لدى نزاهة، ومرتبطة مع باقي الجهات الحكومية ذات العلاقة.