كانت المضاربات من أهم طقوس الحارة اليعربية، وإذا اقتصرت في مصر على (الفُتُوَّات) وعلى (القَبَضَايات) في الشام؛ فإن الحارة الحجازية تتميز بشيوعية المضاربات واشتراكية الهوشات، فهي فرض عينٍ على كل ذكرٍ حرٍّ بالغٍ غير عاقل! والبلوغ هنا معناه القدرة على حمل العصا أو استخدام النبِّيلة (النباطة) أو المِرجامة (المقلاع)، والسكاكين والسكاريب (المفكات) والمرابيع (أعمدة الخشب)! أما البطولة فتعني إتقان مهارات المصارعة والمراكلة والمرافسة والمباقسة (من: إدِّي لُه بُقْس يفتح لُه قطار مشاعر في طُخَّتُه)! وكل وسائل الكَرِّ هذه لا تغني عن وسائل الفَرِّ و...»الشردة (الهروب) نص المرجلة»!!
ولعدم توفر أهم الشروط (غير عاقل) تقوم الأمهات بأدوارٍ أخرى كالتحريش (التحريض)، ورفع المعنويات كتضميد جراح (المفلوقين والمفقوشين) بعبارة: (الدم عطر العيال)، وكأن تخرج (زعيطة) ثديها لابنها المهزوم من أشجع خصومه وتقول: والله لأقطعه وأرميه للبِسَسْ والكلاب إن ما جبت لي ثوب ولد (معيطة) دحِّين!!
ولا يتدخل آباء الفريقين لفض تلك الاشتباكات (المسلِّية)؛ بل كثيراً ما كانوا يجتمعون سويَّةً على القهوة والشيشة ويتولون الوصف والتعليق والتزعيق عليها! فإذا تعب (العيال)، تدخلوا (من زود الحكمة) بشتى المبادرات للصلح بينهم على صحن (سليق) أو (هريسة)، وغداً مضاربةٌ جديدة لسبب تافهٍ مكرور!!
وقد انقرض هذا الطقس من حواري العرب بعد أن أصبحت الغارات والغزوات العالمية تنقل على الهواء مباشرة!!
لكن بطلاً شهيراً من أبطال تلك المضاربات لا يمكن أن ينقرض، لأنه موجود حتى في (حرب النجوم)!
إنه ذلك (الجبان طويل اللسان) الذي (لا ياخد حقُّهْ ولا يُفكَّك من نَقُّهْ) كما يقول المثل الشعبي! وغالباً هو من يستفز الخصم القوي الشجاع فيقف أمامه ويصعِّر خده متحدِّياً: لو شاطر مد يدَّك! فإذا صفعه لفَّ لفتين ثم قال: هذا كل ما عندك؟ فيصفعه أخرى ويلف لفتين أخريين ثم يقول: يا مسكين! حتى البنات يعرفوا يضربوا كف! فيهيج الخصم ويوسعه لكماً وركلاً ورفساً حتى يغمى عليه، ثم يودعه بـ(تفلة) ويتركه!
وما إن يتوارى حتى يفيق (بطلنا) ويغمز لبنت الجيران في الروشان: شفتي كيف شرد مني وأنا (متسطِّح) يا بنت؟!