أنا ابنُ السّبيل وذا شقيقي الفقير وهو غير سالمٍ ابنُ خالتي المسكين.. ووالِدي غارمٌ يفترس الجوعُ أبناءه فيخلع الأنياب ويأبى أن يستكين.. وجارنا تاجرٌ يمتلك الحِبر مداداً لكلّ الكلامِ الذي أصله الثابتُ: «سوفَ» وفرعه: «سَمْ» إلى السماءِ: «طال عمركم».. فجارنا يبيع الحِبرَ تارةً بحفنةٍ من القروش وربما قد بِيعَ للناس أكثرهُ بشيءٍ يسيرٍ من طرف السّكين مخبوءاً تحت عباءة العم.. هل عرفتني؟ أنا ابنُ من عمّته قد زوّجوها من ابن شاه بندر التجّار والعرس كان حفلاً باذخاً كأنّنا في نسخةٍ أصلية من ليالي حكايةِ الشتاء لشهريار. وقائل بأنها شبيهةٌ بليلة القِمار وثالثٌ قد أقسم الأيمان أنّ الظاهر كان عُرساً وباطن النّكاح صفقة من العقار.. أظنّ أنّ النفط كان حاضراً لأنّني شممتُ حينها عِطراً بنكهة: «البترول» مع أنّ أمي أفشت السّر قبل موتها إذ أعلنت بأنّي قد وِلدتُ بأنفٍ قد أصيب بعمى: «الروائح»!
إنْ أنت قد أنكرتَني فإنّ الرّمل كان جديَّ والشمس جدتي وهذه النجومُ بعض من بنات عمّتي.. وأنتَ لست إلا طائراً يصطاده في الصّبحِ بدوٌ رُحّل.
قل لي: متى تنفض عنك غبار الهجر فتذكرني.. متى تُقيم الظلّ مني إذا انكسر.. وهل أن زمناً قريباً سيأتي فتورِقُ أغصاني التي ذبلت دهراً وهي التي لو مسّها طائف من بلّ ريقك لاكتست اخضراراً وزهراً؟.
ألم تعلم بأنّك قد ولدت بنفس الساعةِ.. بنفس اليومِ.. بنفس الشهر.. بنفس العام الذي إلى الدنيا أتى فيه جديَ الذي مات ولم يرث عنه والدي غير بضع ريالاتٍ ودَينٍ للحكومة ونظارةٍ طبيّةٍ يقرأ بها رُزمةً من الفواتير؟
أتحسّس ضفائركَ فتنفلت خصلاتها من بين يديَّ كباسط كفيه إليكَ فيرتدّ الحزن إليّ كئيباً.. ومن كان هذا الأخير له رفيقا فلا يُمكن للفرح أن يخذله فيحضر!
لماذا حين أخطب شيئاً مِن ودك تُعرض عنّي فتصعّر خدك لي وتوليني قفاك متبختراً بمشيتك.. وحين أبتغي إيقاظ شيءٍ من غفوةِ رحمتك فأخاطب فيك: «زكاة/ ركازك» تَعرِضَ عليّ بسخاءٍ حنوطاً وشيئاً من سدر؟ أُحب الحياة ولا أودّ أن أموت سريعاً! وا ضيعةَ الأرض إن كنتَ أنت لعنتها.
مذ أن درجتُ صبيّاً أتحايل على الخطّ فأقارب فكّ رقبة لغزه لأعتق شيئا من ملك يمين: «المعنى»! أدركتُ إذ ذاك أن لنا هجائيّة بحروفٍ يتمطّى فيها البؤس.. وهي غير تلك التي يتعلّمها أبناء الذوات -من الموسرين- كبرتُ شيئاً قليلاً فغدوت قادراً على تمييزها -إي والله- فعرفت من غير أن أتلقى ذلك من أحدٍ.. عرفتُ أنّ أبجدية الاستكبار ذات حروف من (الموصوف بالذهب الأسود) إذ تتشكّل منها لغة الاستبداد.
وبما أنّ ثمّة صفةً واحدة تجمعني مع «سيبويه» أوقفني شيخنا «حمد» في درس النحو قبالة الطلاب.. والموضوع يتعلّق بـ»كان الناقصة».. يا خالد هاتِ مثالاً على «كان» وأعربه؟ أجبتُه: كانَ النفطُ نائماً وفجأةً استيقظ! أخرجت المثال من قمقمه بصوتٍ سمعته الإدارة.. الجرس كان منقذاً فانحشرنا كلّنا في فناء معهد بريدة العلمي.. ولم أعد أذكر شيئاً سوى أني استلفت ريالين ثم انتظمت في «طابور المقصف» مزهواً بالسُلفة.
قال لي أبي وهو يدقّ المسمار في لوحٍ خشبيٍّ، وقد ذكرني صنيعه بنوحٍ النبيّ عليه السلام وما من سفينة تُصنع -أنساني الطوفان ذكر ما قال أبي.. الآن تذكرتُ حيث قال لي: لمّا كنتُ في مثل سنّك صبيّاً أوهمونا بأنّ النّفط يُشبه البقرة الكبيرة الحلوب!
أغلقَ أبي فمَه ومدّ باتجاهي رواق الألم حيث انتقل إليَّ وراثةً ليس منه مفر. لذا لم أرتبط قطّ بأنثى، خشيت أنّ أورّث غيري الألم فقصرته عليّ.
أيّ مشاعرٍ تلك التي تنطوي عليها؟ لقد قيل لي: إنّ لك قلباً لكنه قد قُدَّ من الصّخر جلموداً! فبأي شيءٍ هو ينبض؟! هل أنت لنا الجُرح ثم ما لبثت أن أنبتنا عنك لِننزف؟!
لم يكن بّدٌ من الاعتذار لـ»النفط» بوصفه الخطاب الذي لا ينفكّ في انفتاحه على السياسة ذلك أنّ للنفط خِطاباً هو الآخر يسترجع فيه سرد حكاية البطل الذي قضى نحبه لمّا أن فكّر في إغلاق محبِس تدفّقه «الإمبريالي».. هي وثيقة تاريخيّة ذات ترميزٍ أسطوريٍّ بتفاصيل عجائبيّة تبدو غامضةً بالمرّةِ.. وأيّاً تكن درجة إلباس غموضها فإنّ ثمّة دلالات إذا ما تقيّد بها التأويل تحدّدت مفاهيم ما كان قبلاً يشكو غموضاً!
هل تعرفني؟!
خالد السيف4 دقائق للقراءة

حجم الخط
