عبرت صديقة لي عن عدم قدرتها على فهم الأفراد الذين يستمرون في التدخين رغم الصور البشعة الموجودة على علب السجائر. قالت إنه بالنسبة لها كانت صورة طفل ولد ميتا (التدخين يمكن أن يسبب الإجهاض) كافية لتقلع عن التدخين بشكل نهائي. هذا الأمر يثير السؤال التالي: لماذا بعضنا – وربما معظمنا- لا يتأثرون بالتحذيرات المسبقة؟
أحد أهم التحديات التي أواجهها كطبيب هو إقناع المرضى (وأحيانا بعض الزملاء) بأن تعديل أسلوب الحياة أمر يستحق الجهد. هذا يمكن أن يحصل بأشكال متعددة – المرضى الذين يعانون من أمراض رئوية، الذين يستمرون في التدخين، أو المريض المصاب بداء السكري الذي يصر على تناول الأطعمة الغنية بالنشويات والسكريات. المنطق والعقل أحيانا غير كافيين. يبدو لي أنه إذا لم يكن هناك فائدة مباشرة من القيام بعمل ما فإن الأمر سيتطلب الكثير من الجهد لإقناع الشخص بأهمية التغيير. الشيء نفسه يمكن تعميمه على البشر بشكل عام. على سبيل المثال، يمكن النظر إلى الجهود غير الكاملة للحد من ظاهرة ارتفاع درجات الحرارة في العالم.
يمكن تفسير هذا الأمر بشكل علمي كما يلي: نحن لدينا استعداد مسبق للاعتقاد بأن المستقبل سيكون أفضل من الحاضر. المشكلة أن معظم السياسات التي تهدف إلى صياغة السلوك الإنساني يتم وضعها من خلال تحفيز الخوف على أساس أن الخوف هو أفضل وسيلة ممكنة وأكثرها فعالية، لكن هذا ليس صحيحا بالضرورة. على سبيل المثال، هناك دراسة أجرتها جامعة (لانكاشاير إدج هيل) أظهرت أن الطلاب الذين تم تحذيرهم من نتائج الفشل يميلون إلى الحصول إلى درجات أقل، لأن أسلوب استخدام التخويف أدى إلى انخفاض في الدافع للدراسة والتحصيل العلمي. ردة فعلنا الطبيعية والمباشرة عندما نتعرض لخطر هي أن نحمي أنفسنا. عندما يتعلق الأمر باللاوعي، يمكن أن يأخذ ذلك شكل الإنكار والتفسير العقلاني. بدلا من مواجهة الخطر، أسهل شيء يمكن أن يفعله المرء هو أن ينأى بنفسه عن مواجهته. على سبيل المثال، عندما قلت لبعض المرضى إن التدخين ضار لهم، أجابوني بتأكيدهم أنهم يملكون جينات جيدة، أو أن والديهم كانوا يدخنون طوال حياتهم ولم يعانوا أي مشاكل صحية. في واقع الأمر، في مثل هذه السيناريوهات، قد تزيد التحذيرات الأمر سوءا، لأنها قد تجعل المرضى يشعرون أن لديهم مناعة ضد المخاطر.
هناك دراسة نشرتها مجلة «المخاطر والشك» حول المستثمرين في أسواق الأسهم. تبين الدراسة أنه عندما يكون السوق جيدا يقوم المستثمرون بزيارة الانترنت بشكل متكرر ليروا أحوال أسهمهم. وعندما يصبح السوق سيئا يميل المستثمرون إلى تفحص أحوال أسهمهم بشكل أقل، ولا يقومون بعمل هام إلا إذا حدثت أزمة مالية حقيقية. نفس تسلسل الأحداث يمكن تطبيقه على المريض – حيث إنه لا يبدأ بإجراء تغييرات في حياته إلا إذا حدثت له أزمة صحية كبيرة مثل سرطان الرئة، حيث يكون الوقت قد تأخر لإجراء تغييرات هامة. إذا كانت المتعة الآنية للسيجارة ستنتصر على الخطر المجرد لاحتمال الإصابة بسرطان الرئة، فكيف يمكن أن نأمل بتغيير السلوك؟
تبين الدراسات أن هناك ثلاثة مبادئ يجب التقيد بها: الجوائز الفورية، الحوافز الاجتماعية، والتقدم. قام أحد المستشفيات بوضع كاميرا لمراقبة المرات التي يغسل فيها الكادر الصحي أياديهم. ورغم مراقبتهم، كانت نسبة التقيد بالتعليمات لا تتجاوز 10 %. بعد ذلك تم تركيب لوحة الكترونية فوق المغسلة. هذه اللوحة كانت تظهر علامة لكل مرة يغسل فيها الموظف يديه، ومدى تقيد موظفي كل قسم بغسيل الأيدي مقارنة مع الأقسام الأخرى..عند ذلك ارتفع معدل التقيد بالتعليمات إلى 90 %.
الدراسات تبين حتى الآن أن علينا أن نستخدم مزيجا من الأساليب عندما نحاول التأثير وتحقيق تغيير إيجابي في السلوك. مخاطر السلوك غير الصحي، مثل التدخين، يجب التأكيد عليها دائما، لكن هذه المخاطر يمكن إرفاقها مع ملاحظة أكثر إيجابية. وبانتظار المزيد من الدراسات والأبحاث علينا أن نطبق هذه النتائج على جوانب أخرى من حياتنا. هذا يمكن أن يشمل الطريقة التي نربي بها أولادنا ونوجههم إلى ما هو جيد لهم، ويشمل أيضا أمورا أخرى مثل التغييرات السياسية التي تهدف لإجراء تغييرات في الصحة العامة. إذا فكرنا في الأمر قليلا نجد أن الجزرة مستساغة أكثر من العصا.