حكاية تعليق الحقوق المدنية للفرد المواطن بحجة الإرهاب حكاية قديمة وذريعة بائسة للحيلولة دون الشروع في مأسسة الدولة والتحول الديمقراطي وتفعيل مؤسسات المجتمع المدني.
اتخذ جمال عبدالناصر من محاولة اغتياله التي عرفت بحادثة المنشية ذريعة لتعليق النشاط السياسي والمدني في مصر، وسحق خصومه السياسيين بحجة محاربة الإرهاب، وأحكم قبضته على وسائل الإعلام ولا سيما المقروءة منها، لتعزيز الجبهة الداخلية وقطع الطريق على محاولة بث الفوضى ونشر الذعر في البلد. بالطبع ليس هناك أسهل من إعلان حالة الطوارئ لخنق الفضاء العام وتسويغ تغول الدولة في حياة المدنيين وتقييد نشاطهم وحريتهم بحجة حماية الأمن القومي للبلاد!
فعل مبارك ما فعله ناصر في مصر، وظلت حالة الطوارئ سارية لمدة ثلاثين عاما، حتى وقت خلعه، استغلها مبارك ووزراء داخليته في خنق الحراك السياسي في مصر وفي القضاء على أي محاولة للحد من فساده وفساد زمرته. سمحت له حالة الطوارئ بمحاكمة المدنيين أمام القضاء العسكري، والحبس بمجرد الاشتباه دون إصدار مذكرة توقيف من النيابة العامة، وإطالة مدد الحبس دون تقديم المتهمين للمحاكمة. وأصبحت فيما بعد حالة الطوارئ الدائمة سببا في خلعه وثوران بركان الغضب في وجهه في حدث لم تشهده مصر في السابق.
حالة الطوارئ تعلن عادة إذا ما شعرت النخبة الحاكمة بتنامي الحراك المدني، ولأن الحراك المدني سلمي بطبيعته، فإنه غالب ما يلفت انتباه المجتمع الدولي ووسائل الإعلام العالمية، بالتالي من الصعب خنقه مباشرة، حتى لا تتهم الدولة بأنها بوليسية أو ذات نظام شمولي. هنا تظهر فزّاعة الإرهاب والتنظيمات المسلحة المتطرفة، والتي غالبا ما تكون مخترقة لتنفيذ ذات المهمة. حدث هذا في مصر سابقا وفي الجزائر وفي سوريا فعلها حافظ الأسد عندما دبرت مخابراته مذبحة ألصقها بالإخوان المسلمين ونفذ على إثرها ما عرف بمذبحة حماة.
الآن وفي ظل انسداد تاريخي لم تشهد له المنطقة مثيلا في السابق وبتعذر سيطرة الدولة على وسائل الإعلام بفعل وجود الإعلام الجديد ووسائل التواصل الاجتماعي، يعد من المجازفة إعادة مثل هذه الأساليب لخنق الفضاء العام وتقويض العمل المدني. فمع الأسف عملية خنق العمل المدني وتحوله إلى عمل ثوري أكثر راديكالية هي خيار استراتيجي للنخب السياسية التي لا تريد إصلاح الوضع القائم، لكن المنطقة ليست بحاجة إلى تدابير أمنية إضافية بقدر ما هي بحاجة إلى الشروع في مشاريع تعزز من العدالة الاجتماعية، وتفعل مؤسسات المجتمع المدني، وتقلص الفجوة بين المجتمعات والنخب الحاكمة.
انتحار مؤسسة الدولة بإعلان حالة الطوارئ!
فايد العليوي2 دقائق للقراءة

حجم الخط
