قبل نحو سبعة أعوام وقف أحد النقاد المبدعين معلقًا على الأمسية الشعرية التي نظمها أحد الأندية الأدبية في المملكة لثلاثة من الشعراء المعروفين، وتحدث الناقد عن عدد من مظاهر الإبداع الفنية والأسلوبية لدى الشعراء الثلاثة، مشيرًا إلى أن قصائد هؤلاء الشعراء الوطنية التي ألقيت في ذلك المساء اتسمت بحرص الشعراء على حشد الكثير من المسوغات والأسباب التي يريدون إقناع المتلقي بها ويريدون من خلالها تسويغ نظمهم شعرًا للوطن، (وكأنهم يقولون: لم ننظم هذه القصائد في هذا الوطن على نحو خاص إلا لمسوغات متعددة أهمها المسوغ أو السبب الديني المتمثل في وجود الحرمين الشريفين، وهي مسوغات نرجو من المتلقي قبولها)، واستطرد المتحدث في سرد بعض ما اشتملت عليه تلك القصائد من أسباب ومسوغات تشفع لهؤلاء –في نظرهم– بالتعبير عن بعض المشاعر الوطنية والتغني بالوطن.
والحقيقة أن هذه الظاهرة الغريبة والتي تدعو إلى التأمل والتساؤل ما زلنا نرى بعض صورها وظلالها تتجسد وبشكل خاص في المناسبات الوطنية، وقد بدأت تخف بشكل تدريجي عما كانت عليه قبل نحو عشرين عامًا، وبدأ الوعي الوطني –في نظري– أكثر حضورا، وإن كانت آثار هذه الظاهرة ما زالت موجودة؛ ولعل الخطاب الذي ملأ عشرات السنوات الماضية كان السبب في ذلك؛ حيث عُنينا لسنوات طويلة بالخطاب الأممي، وظللنا نردد من خلال هذا الخطاب المشاعر والأطروحات التي تنتظم الأمة، وهذا شيء جيد، وكما يقول النبي صلى الله عليه وسلم : «مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى»، غير أن ذلك الخطاب الأممي كان -وبشكل واضح- على حساب الخطاب الوطني (الداخلي) الذي يُعنى بالمكان وقيمته وتجلياته.
وبالنظر إلى هذا الجانب بشكل عام نجد أن حضور السبب الديني فحسب هو الغالب؛ إذ تجد وجود الحرمين الشريفين وكون مكة مهبط الوحي إلى غيرهما من الجوانب الدينية والمقدسة ذات الأهمية أهم ما يعول عليه المتحدثون عن الوطن وأبرز ما يسوغون به هذا الأمر، في حين يقل حضور المكان، ولا تكاد تظهر صورة ما يتمتع به الوطن من أمن وإيمان ورقي وحضارة واهتمام بكرامة الإنسان.
وللأسف ما زالت آثار هذا الجانب تلقي بظلالها، وتتجسد من خلال صور متعددة لا نستطيع إنكارها، ومن هذه الصور ما يظهر أحيانًا من عدم وجود حماس أو اهتمام للتفاعل مع أهم المناسبات الوطنية (اليوم الوطني) من قبل بعض المؤسسات الوطنية، ولربما كان لبعض المؤسسات حضورها وأقامت الاحتفالات الكبيرة متفاعلة مع أسبوع أو مناسبة عالمية أو يوم عالمي، في حين تجدها صامتة في اليوم الوطني، وفي غيره من المناسبات الوطنية، وكأن الأمر لا يعنيها، كما قد تجد الكاتب الصحفي يشعر بشيء من الحياء ويحس بوجود حواجز معينة أو يخشى أن يحسب على أنه كاتب مجامل أو متملق إلى غير ذلك من الأوصاف فلا يمنح للوطن من المشاعر أو الأفكار ما يستحق، وفيما يخص الخطاب الديني في هذا الجانب يكفي القارئ الكريم دليلا أن أشير إلى ما قرأناه خلال الأسابيع الماضية في صحفنا السعودية من انتقاد موضوعي لعزوف بعض الأئمة والخطباء عن الإشارة إلى بعض الأحداث الداخلية وعدم الدعاء لأفراد القوات المسلحة وقوات الأمن والانشغال بقضايا أخرى دون إعطاء هذه القضايا الوطنية الهامة ما تستحق إلى غير ذلك مما ورد في الصحف خلال الفترة الماضية.
إن شعور الناس بشيء من الخجل أو الاستحياء وهم يتحدثون عن إنجازات وطنهم وعن مكانته الدينية والإقليمية والدولية شيء مؤسف، كما أن ربط الحديث عن هذه الحقائق والمشاعر الوطنية بالرغبة في الحصول على مصلحة أو أنه جانب من المجاملة أو غير ذلك مما يأتي في هذا السياق أمر يدعو أيضًا للأسف، ونحن مجتمع مسلم يعي قيمة الوطن والواجب تجاهه.
إن حضور اسم الوطن في أي نص أو أي مناسبة ينبغي أن يجعلنا نشعر بالزهو والفخر والاعتزاز، وإن الشعور بخلاف ذلك هو ضرب من المشاعر السلبية، ولذا فإن الاهتمام برفع مستوى الوعي في هذا الجانب ضرورة ملحة، كما أن الخطاب الديني والثقافي عبر قنواتهما ومنافذهما المتعددة أمام مسؤولية كبيرة لترسيخ مبادئ الوطنية وثقافة حب الوطن، وأن ذلك ليس مجرد كلام وإنما هو التزام ديني وأخلاقي.
لماذا نحب الوطن على استحياء؟!
مفلح زابن القحطاني4 دقائق للقراءة

حجم الخط
