من العبارات الذائعة في مصر عبارة «أدباء الأقاليم»، ويقصد بها الأدباء الذين لا يسكنون القاهرة، وانتشروا في محافظات مصر، حتى كونوا حالة ثقافية وأدبية تستحق الدرس والتأمل، وربما ألقت تلك العبارة بأثرها عليهم، فحوصروا بها، وربما أخلت بحقوقهم الأدبية، وهي، في الوقت نفسه، تجعل العاصمة «القاهرة» المركز ومصدر الجذب والرعاية.
والحق أن ثقافة الأقاليم، أو الأمصار ضاربة في التاريخ، وفي الثقافة العربية عرفت الأمصار، وتوزعت فيها ضروب المعرفة في عواصم مختلفة، في مكة والمدينة والكوفة والبصرة ودمشق، قبل أن تستأثر بغداد بالثقافة، وتصبح هي المركز، فيشد العلماء والأدباء والشعراء رحالهم إليها، ليكونوا قريبين من أولي الحول والطول، وإن لم يفعلوا ذلك فسيخبو أثرهم ويضمر اهتمام الثقافة بهم، وإذا بهم، بعد حين، يقصون عن الضوء، ويدخلون في الظل، لأنهم ما اقتربوا من مركز الخلافة، ومكثوا في أمصارهم فنزل شعرهم عن شعر «الفحول»، أولئك الذين داروا في فلك بلاط الخلفاء، ونزلوا على شرط المؤدبين الواقفين بباب الخليفة، وأصبحوا، بعد حين، المعبرين عن «روح» الثقافة، وهو، إن تأملناه، أثر من آثار البلاط، فلا أدب إلا ما ارتضاه صاحب البلاط، ولن يرتضي إلا ما ارتضاه نقاد البلاط من المؤدبين والكتّاب، وما أثر عنهم في هذا الباب وافر وواسع.
مراكز النفوذ الثقافي اليوم لا تختلف كثيرا عنها في القديم، فالعاصمة لا يزال لها سلطانها الثقافي والرمزي، ومؤسسات الثقافة والإعلام، مهما اختلفت، هي «تنويع» جديد للبلاط القديم، ولعل بحثا يقفنا على أسباب ذيوع هذا الكاتب وخفوت صوت كاتب آخر، ينبئنا، في سبب من أسبابه، عن تلك العلاقة الخبيئة بين مراكز القوى، وإن كانت ثقافية أو إعلامية، وذلك الكاتب أو الأديب، الذي لقي من العناية فوق ما يلقى رصفاء له في الثقافة والأدب، بل إننا واجدون عشرات الأدباء والمثقفين، ممن احترفوا الكتابة، وكابدوا الثقافة، ولا حظوة لهم في «بلاط» مؤسسات الهيمنة الرمزية الجديدة، ومن بينها بلاط النقاد، ويظهر أن المسألة يستحق ما فيها من تشابك وتعقيد مزيدا من التحليل، لنفهم كيف يصبح مثقف ما تحت الشمس وآخر في الظل.
مثقف الظل
حسين بافقيه2 دقائق للقراءة

حجم الخط
