لو كانت المشاكل تحل بالهروب لأصبحت الأرض كوكبا مهجورا، ولو كان الجمال ساحرا للعيون فإن الأخلاق بطاقة العبور، ومن هذا المنطلق هناك مبدأ يقول: نصف رأيك عند أخيك نتعاون فيما اتفقنا عليه ونعذر فيما اختلفنا فيه، ونبسط الأمور بعدم التَّعمُّق في تحليلها على غرار المثل الغربي: قد أختلف معك اختلافا جذريا فيما تقول، وسوف أستميت في الدفاع عنك حتى تقول كل ما تود أن تقول، بمعنى أنا أختلف معك ولكن أظل على مودتك.
تختلف وجهات النظر بين مؤيد ومعارض ومحايد الأمر الذي يجعل الحوار صعباً لعدم قدرة التعاطي مع الأفكار بمنهجية صحيحة فتتولد نزاعات لا فائدة منها وبالتالي تتسع الفجوة بحوار تسفيهي كل ما عداي خطأ، وتعجيزي بحثا عن السلبيات، تجريح وإقصاء وحوار عقيم، تعصب فكري وانحسار مجال الرؤية.
فالحوار يتطلب الاعتراف بوجود الآخر، ليس في تبني رأي مختلف فحسب بل احترام حقه في الدفاع وتحمل مسؤولية ما هو مقتنع به.
ثقافة الاستئصال لم يبق لها من جدوى، وتكميم الأفواه وتقييد الأيدي فعل إجرامي في حق الغير لأنه يعطل الحواس، وديننا أمر بالحوار وعدم اتباع سياسة مصادرة الآراء.
معظم نقاشاتنا قذائف وقنابل، وثقافة الحوار للأسف حلقة مفقودة في أي موضوع يطرح، ونحن على يقين بأن الاختلاف آية من آيات عظمة الله، فعدم احترام الرأي المخالف ومحاولة إسقاطه خطوة قاتلة حتى وإن لم نصل للإقناع، لا بد من مراعاة الديمقراطية وحسن الانصات وعدم الاستبداد بالرأي أو فرضه على الآخرين إلى جانب الالتزام بالموضوعية بعيداً عن التطرف والعنصرية والتعصب والانفعال ورفع الصوت.
ومن هنا اختلافي مع وجهة نظرك لا يعني خلافي معك، نتفق ونجمع على الأصول والثوابت ونختلف في الفروع، وكلما زاد الاختلاف كلما كان للتآلف والتراحم وقع أعظم، الحوار الواقعي يتصل إيجابيا بالحياة اليومية، واتصاله هذا ليس اتصال قبول ورضوخ للأمر الواقع، بل اتصال تفهم وتغيير وإصلاح، فالتحاور من أجل التميز لا يمنحك حق تكسير مجاديفهم وتهميشهم، والارتقاء على أكتافهم، ربما قد تكسب السباق ولكنك حتما ستخسر إنسانيتك.
لذا الاختلاف ثقافة تبدأ من المنزل وفي المجتمع وبين المسؤولين ويتبناها الإعلام بكل وسائله لقوة تأثيره تحت مظلة يجب أن تنحني للعاصفة لتمر بسلام وليس الاستسلام، فالحوار المتكافئ يعطي لكل الأطراف فرصة التعبير والإبداع الحقيقي، وحينها سيسعدك فكرهم ورقيهم وتبادل الآراء.
ولنا في مركز الملك عبدالله للحوار خير مثال، عزز من مبادرات المملكة في إرساء قواعد ثقافة الحوار وصياغة الحاضر في الداخل والخارج.