المشهد في السوق المركزية «كوكورو» في آخر معاقل المسلمين ببانجي عاصمة أفريقيا الوسطى بدا مثيرا للإحباط، بعد أقلّ من سنة على اندلاع النزاع الطائفي في البلاد، الرفوف البلاستيكية التي كانت تحتضن الخضروات والفواكه الطازجة تحوّلت اليوم إلى ركام وبقايا، لا يكاد المرء يميّزها عن بقية الفضلات التي تملأ المكان، وبين الحين والآخر، تنساب السحالي من بين الحجارة المتداعية لتمرّ في لمح البرق على مجموعة الصناديق الفارغة والمحطّمة، وبقايا الرفوف المحترقة وجميع ما كان التجّار في هذه السوق يستخدمونه لتلبية حاجات زبائنهم.
أما العنكبوت، فقد نسج له بيوتا في كلّ الزوايا تقريبا، ليجعل من السوق المركزية بحي «الكيلومتر 5» للمسلمين في بانجي تبدو «كموطن للأشباح».
إبراهيم تاجر شاب يحافظ رغم ما كل ما حل بالسوق على نبرة التفاؤل بقوله «كل شيء تعرض للحرق أو التهشيم، لم يبق مما كنا نمتلك سوى آثاره، التجار سارعوا بهجران المكان، وظل كل شيء جامدا لا حراك فيه».
التاجر الشاب الذي كان يبيع الخضار تلمس براحة يده الرفوف الخالية إلا من طبقة سميكة من الغبار، ثم أبدى أمله «في أن يستأنف النشاط التجاري حالته الطبيعية في المستقبل القريب».
وعلى غرار بعض التجار المسلمين يجوب «إبراهيم» سوق «كوكورو» جيئة وذهابا قاطعا مئات الأمتار ليبيع بعض المواد الغذائية للسكان «بسعر أعلى مما كان عليه الحال لأشهر خلت»، على حد تعبيره، بنبرة يغلب عليها الأسف.
الأوضاع الاقتصادية المتدهورة للسكان جعلتهم لا يتدافعون على اقتناء ما ندر من البضائع التي يعرضها الباعة المتجولون خارج السوق، عن ذلك تقول «فاطمة» وهي أرملة وأم لـ 4 أطفال، تتأبط بكل عناية سلتها فارغة «فيما عدا المواد الأساسية، لا بضائع هنا مفيدة حقا، الأسعار مرتفعة للغاية لذلك لا أقتني سوى الحد الأدنى لإطعام أسرتي».
«عثمان» أحد سكان الكيلومتر 5 يحاول من جهته أن يعطي تفسيرا لغلاء أسعار المواد رغم تردي حالها، حيث قال «المشكلة الحقيقية اليوم تكمن في الحصار الذي لا يزال مفروضا على السائقين المسلمين الذين ينقلون البضائع، وذلك على الرغم من وجود القوات الفرنسية والأفريقية.
ويضيف الرجل الذي لم يغادر بانجي إطلاقا على الرغم من الانتهاكات التي سلطها الأنتي بالاكا على ذويه «الطريق الرابطة بين بانجي والكاميرون من حيث تمر السلع عبر ميناء دوالا والمناطق الكاميرونية الأخرى، تضررت أكثر من غيرها ولم يتمكن من استئناف النشاط سوى بعض السائقين المسلمين».
 الجميع هنا يأمل في أن تعود الأوضاع إلى طبيعتها الأولى أو إلى ما يقترب من ذلك، وأولهم التجار الذين أبدوا أملهم في أن تسترجع سوق «كوكورو» ألقها وأن يعود التعايش الطبيعي بين مختلف الطوائف الدينية في أفريقيا الوسطى.