الأسطورة الوحيدة التي يستطيع علماء الأركيولوجيا نسبتها بقدر معقول من الثقة إلى حضارة الأولمِك البائدة، والتي ازدهرت ثم اندثرت في الموقع الحالي للمكسيك بين 1300 و 800 قبل الميلاد، هي أسطورة «حقل الدموع» التي أختصرها لكم الآن:
في القديم، حين كان العالم جديدا ما يزال، وقد تفتح لتوه كوردة هائلة ناشئة بمعجزة غير مفهومة من العدم، وكان زغب الميلاد يغطي كل شيء، الأنهار، والأشجار، والجبال، والحيوانات..
في ذلك الزمان الموغل في القدم، لم تكن هناك أحداث على الأرض لتسلي النجوم، ولم يكن هناك ما يشغل شمس الذهب، وقمر الفضة، غير التطلع إلى الأرض في انتظار أي جديد، ولم يكن هناك جديد، لأن الأرض حينذاك كانت تخلو من البشر..
شعر سكان السماء جميعا بالملل، فقرروا الهبوط من عليائهم إلى سهل تواهيراكانا الخصب، حيث عقدوا اجتماعهم التشاوري الأول، وهناك قرروا أن يصنعوا الإنسان، على أن يضحي كل نجم بقطعة منه، وأن تمنحه الشمس شهوة الحياة، وأن يمنحه القمر فضيلة العقل، وشرعوا في التنفيذ على الفور، غير أن القمر أصيب في اللحظة الأخيرة بنوبة ذعر، فلم يمنح الإنسان الجديد إلا نصف العقل المتفق عليه بين سكان السماء، وفر عائدا إلى بيته الفضي..
رأت النجوم، ورأت الشمس أن القمر ارتكب خطيئة كبرى في حق الإنسان، حين تركه يواجه الحياة بنصف عقل، لذا عاقبت القمر بأن يأكل الظلام شريحة منه كل ليلة، لمدة نصف شهر، على أن يعيدها إليه في النصف الثاني من الشهر..
ثم أنعمت على الإنسان بأن جعلته الكائن الوحيد على الأرض الذي يتعلم من أخطائه، ومن أخطاء غيره، وبذلك وحده يستطيع إكمال النصف المفقود من عقله..
وتمضي الأسطورة الأولمِكية كالتالي:
فتح الإنسان الأول عينيه، فرأى العالم من حوله جميلا، لكنه عالم غير مبالٍ، ترفرف فيه الفراشات الملونة فتبهج القلب، لكنه يخلو من الخبز الساخن الذي يبهج المعدة، فألهمه نصف العقل في رأسه بأن عليه أن يزرع لكي يحصد ما يأكله، وبيديه القويتين، حرث حقلا شاسعا، يمتد من البحر المالح الكبير، إلى ضفة النهر العذب المتدفق، وبذر فيه ستة عشر صنفا من الحبوب، بمزيجها يصنع الأولمِك خبزهم العجيب، الذي لا يمكن العثور عليه في أي مكان آخر..
وانتظر الإنسان الأول عند الحقل، يوما بعد يوم، انتظر جائعا بردانا وحيدا..انتظر أن يحصد الحبوب لكي يطحنها على الأحجار، ثم يعجنها بالماء وأعشاب الساكوناي، ثم يخبزها على نار الأخشاب الخضراء المقطوعة لتوها..
انتظر الإنسان الأول أن يأكل الخبز الذي اشتهاه منذ اللحظة الأولى، لكن النباتات في الحقل لم تحمل سنابلها بعد، رغم العناية الفائقة، والري المنتظم، كان على الإنسان أن ينتظر أطول فأطول، حتى تنضج الحبوب في السنابل، لكن الإنسان بنصف عقل كما عرفتم – وهذه غلطة القمر الجبان- وقد أضناه الجوع وطول الانتظار، ففقد سيطرته على نفسه وشرع في العويل، وانهمرت دموعه سيلا عرمرما لا يتوقف، يوما بعد يوم، حتى صار الحقل الشاسع الذي كادت سنابله تمتلئ بالحبوب الشهية، صار بحيرة دموع ملحية كبيرة، وأوشكت النباتات كلها على الموت، لولا أن تدخلت الشمس وجففت بحيرة الدموع، وطيبت خاطر الإنسان، وطلبت منه الصبر قليلا بلا بكاء، ففي الوقت المناسب سيحين موعد الحصاد، كل ما على الإنسان فعله هو أن يعمل في الحاضر بيديه، وأن يتطلع إلى المستقبل بعقله، ليرى مخازنه قد امتلأت بالحبوب، بعد امتلاء معدته بالطعام، ونصحته بألا يشغله الحاضر أبدا عن المستقبل، فبهذا وحده يكتمل له عقله.
....
أما أنا فلا أسمح لدموعي بأن تحجب عني التطلع إلى المستقبل عبر حقل الدموع العربي الهائل الذي خاب حصاده مرة ومرات، وتحول إلى بحيرة ملحية تكاد تقتل كل نباتات الطموح وسنابل الأمل..
لكنني أجرؤ على التطلع إلى المستقبل، حيث أرى إعلان الاتحاد العربي، على نمط الاتحاد الأوروبي، وأرى بعيني قلبي، عبارة رائعة مكتوبة على أجهزة الكمبيوتر المتطورة، وعلى السيارات الفخمة، والساعات الفاخرة، والهواتف الذكية، والملابس القطنية التي نصدرها للصين، وقوارير زيت الزيتون التي نصدرها لإسبانيا، والأسلحة التي نصدرها لروسيا وأمريكا..
العبارة التي أرجو أن أعيش حتى أقرأها على كل سلعة أشتريها؛ (صُنع في الاتحاد العربي)