لا يمكن تحت أي تعليل أو تبعا لأي فذلكة سياسية أو فكرية أن تقبل العقول والنفوس الحرة ميوعة موقف بعض من يحسبون على الثقافة وإظهار ميولهم للموقف الإسرائيلي وتفسيرهم للأحداث ووصفهم له بالعقلانية، وسكوتهم المغلف عن جرائمه الدموية في غزة، والتبرير السخيف لما حدث مؤخرا بأي تبرير لا ينصف الضحية ولا يصدق في توصيف الواقع، مع عقدهم المقارنات العسكرية بين إسرائيل والمقاومة للخروج من ذلك بضرورة وعقلانية الاستسلام والتسليم بالواقع، وخلط ذلك بالسخرية والتندر بما تبديه المقاومة من قدرات، وإنما كان ذلك غير مقبول لأمور عدة يأتي في مقدمتها ما يقتضيه الإسلام من وجوب الولاء لأهل الإيمان والبراءة من أهل الكفر والشرك، وهو أصل عظيم في الدين لا يجوز الإخلال به، بل لا بد وأن ينعكس على المواقف والعبارات والكلمات بقدر الوسع والطاقة. ولا يمكن أن يكون ذلك موجودا لدى من همه التخذيل والسخرية وبث الإحباط على الدوام وليس في عباراته روح ولاء وحرص يقبل معها النقد المجرد، بل كلها في اتجاه واحد، كما لا يمكن قبول هذا المسلك أخلاقيا بأن يقف هؤلاء مع من يقتل الأطفال والنساء ويهدم المنازل والمساجد والمستشفيات تحت سمع الدنيا وبصرها، لأن هذه البقعة أرادت أن تتحرر من الحصار الظالم الغاشم، كما لا يقبل تأريخيا لأنه ما من حركة مقاومة عبر التاريخ كانت تملك في أول أمرها ما يوازي قوة المعتدي أو المحتل أو تقاربها ولكنها الإرادة، والإصرار الذي يفضي إلى انتصارها في نهاية المطاف، كما لا يمكن قبوله من حيث الواقعية السياسية لأن هذه المقاومة قد أدت وستؤدي إلى نتائج كبيرة على الأرض، وأما الثمن فهو ثمن طبيعي لا بد منه في مثل هذه الحالات، وإذا جمعت إلى هذا تاريخ قضية فلسطين وما تحمله من ظلال نفسية لدى كل مسلم فإنك لا يمكن أن تقبل بمثل هذه الروح القبيحة التي تظهرها هذه الكتابات والمواقف، بل هي في زمن المواجهة وأوقات الحرب جريمة من الجرائم التي تذهب بصاحبها إلى مشابهة المنافقين الذين ذكر الله شأنهم وتخذيلهم للمؤمنين في غزواتهم، ومثل هذه الآراء ليست من النقد النافع في شيء بل هي أبعد ما تكون عنه، لأن له شروطا وضوابط وأوقاتا مناسبة لم نرها هنا، بل في هذه الكتابات غبار من تشف بغيض واستعلاء غريب.