استغرق الغضب بسبب هجمات 11 سبتمبر الإرهابية عدة سنوات قامت خلالها الولايات المتحدة وحلفاؤها بمهاجمة وغزو بلدين إسلاميين في آسيا. بعد مهاجمة أبراج التجارة العالمية بفترة بسيطة، كان الحماس لشن الحرب كبيرا لدرجة لم يكن أحد يجرؤ على قول أي شيء ضد ذلك. بدون أدلة حقيقية، هاجمت أمريكا وحلفاؤها أفغانستان والعراق ونتج عن ذلك سقوط مئات آلاف الضحايا. بعد الإطاحة بالرئيس الباكستاني السابق برويز مشرف من الحكم وذهابه إلى المنفى في بريطانيا، سئل عن سبب موافقة باكستان على الانضمام إلى “الحرب على الإرهاب” فقال إن واشنطن وضعته في ذلك الوقت أمام خيارين: إما أن ينضم إلى الحرب إلى جانب الحلفاء أو أن يستعد لتحمل النتائج التي قد تعيد باكستان إلى العصر الحجري. بعبارة أخرى، كان الخيار في ذلك الوقت إما أن تكون معنا أو ضدنا.
في 2004، أخرج الأمريكي مايكل مور الفيلم الوثائقي “فهرنهايت 9-11” حاول من خلاله إثبات أن القرارات التي اتخذت بعد هجمات 11 سبتمبر كانت خاطئة وأن الذين صنعوا القرارات كانوا يعملون لمصالحهم الخاصة. تبع ذلك عدة أفلام وثائقية مماثلة أظهرت أن الهجمات الإرهابية على الولايات المتحدة كانت جزءا من مخطط كبير وأن الإرهابيين كانوا يلعبون دورا محددا في هذه التمثيلية الدموية. وبينت تلك الأفلام الوثائقية مدى تأثير تكرار الأكاذيب والدعاية الإعلامية على الناس الذين يصدقونها في النهاية، خاصة عندما يكون الشعب حزينا وغاضبا ومتشوقا لسماع شيء يريحه ويعوض خسارته.
إذا أجرينا تقييما زمنيا لتصريحات القادة الأمريكيين والغربيين حول اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل، سنجد نمطا مثيرا للاهتمام: “النظام العراقي قد يمتلك مثل هذه الأسلحة”، “نخشى أن النظام العراقي يملك مثل هذه الأسلحة”، “مصادرنا تشك بأن النظام العراقي قد يمتلك مثل هذه الأسلحة”، “نحن متأكدون أن العراق يملك هذه الأسلحة”. وبعد ذلك بدأت الحرب. وحتى هذا اليوم، ليس هناك أدلة على التقارير التي جعلت القادة يغيرون آراءهم بهذه الطريقة. بنفس الطريقة، حاول الغرب رسم صورة بأن الشعب العراقي يتعرض للتعذيب المتواصل من النظام الدكتاتوري في بغداد وأن هذا الشعب يطالب القوى الدولية بتحريره من النظام.
لكن أحدا لم يسأل كيف تمكن الغرب من الوصول إلى هذه النتيجة ومن الجهة التي تمثل الشعب العراقي التي زودت الغرب بالمعلومات؟
بطريقة أو بأخرى، اتبع الغرب الأسلوب نفسه في أفغانستان. كان البلد يخوض حربا على مدى أكثر من عقدين وبعض الناس كانوا متذمرين من نظام طالبان ولذلك رحبوا بأي قوة تخلصهم من ذلك النظام. المثقفون الأفغان كانوا يرون أن نظام طالبان يمكن أن يستمر لفترة بسيطة لكنه ليس قادرا على قيادة البلد في طريق التقدم على المدى الطويل.
ولكن بالرغم من كل مساوئ نظام حكم طالبان، إذا نظرنا إلى الوضع الأمني المتدهور والفساد السائد والمشاكل الأخرى التي تعاني منها أفغانستان في الوقت الحاضر، هناك كثير من الناس يفضلون عودة طالبان إلى الحكم إذا كان ذلك يخلصهم من هذه المشاكل ويضع حدا لها.
رغم مضي عشر سنوات على استعادة الحكم الديموقراطي في البلد، لا يزال هناك كثيرون من الضحايا يسقطون يوميا في مناطق متعددة، وهناك مجموعات من المسلحين تفرض المبدأ القائل بأن من يملك القوة يملك الحق.
الأمور في العراق تزداد سوءا يوما بعد يوم، وغالبية العراقيين يؤمنون أنهم كانوا في حال أفضل في عهد صدام حسين مقارنة مع الوضع الذي جلبته “الديموقراطية” إلى بلدهم. لم يستطع أحد أن يعثر على أسلحة الدمار الشامل المزعومة في العراق وتبين أن جميع ادعاءات القادة الغربيين كانت خاطئة. الشعب العراقي فرح في البداية بعد سقوط نظام صدام حسين، لكنهم بعد أن رأوا الفوضى والدمار وعمليات القتل التي أودت بحياة عشرات الآلاف من العراقيين وأدت إلى ضياع مستقبل بلدهم أصبحوا يرون الأمور بمنظار مختلف. صحيح أنهم تخلصوا من دكتاتور واحد، لكنهم حصلوا على مجموعات مختلفة من الفصائل المسلحة التي تمارس عليهم كل أنواع الإرهاب.
عندما تتحدث أي دولة عن شن حرب شاملة ضد دولة أخرى، سواء بهدف غزوها أو توجيه ضربات عسكرية لها، فإن تجار الحرب عادة هم الذين يستفيدون في نهاية المطاف من خلال بيع أسلحتهم وملء جيوبهم بالأرباح، حتى لو أدى ذلك إلى دمار دول كاملة ومقتل مئات الآلاف من الأبرياء.
تجارة الحرب
4 دقائق للقراءة

حجم الخط
