جدلية المجتمع اليوم تختلف عن جدلية المجتمع السعودي قبل عقدين من الزمان، والأفكار المطروحة اليوم والتي يتم تداولها بين المجتمع البسيط والمجتمع المثقف والمجتمع السياسي تغيرت وفقا لأنماط العالم المتغير من حولنا. ومن المؤسف أن تعلو حركة العنف والدموية على حساب الحركة الليبرالية التي بالفعل منيت كحركة سلمية بهزيمة كبيرة قبل سنوات على يد تحالف المجتمع والرجعية، على الرغم من أن هذه الحركة الثقافية السلمية قد ساهمت من خلال الأدباء والفنانين في بث ثقافة جادة سلمية، إلا أنها هزمت بفعل قوى التكوين الثقافي والديني للمجتمع.
السؤال الكبير اليوم ما الذي حدث فعليا عندما انجرفت الأجيال إلى دائرة العنف الصامت ثقافيا لسنوات طويلة، بحيث تبنتها كقيم أساسية ولم يستطع أحد مسحها من أذهان هذه الأجيال؟
إن تبني العنف هو مذهب تدميري من شأنه أن يورث الأجيال التمحور حول الذات والانغلاق الفكري - وقد فعل بالكثيرين - وقد أصبحنا أمام واقع لا يمكن تقبله ولا الاعتراف به. من أجل ذلك وبعد الهزيمة الكبيرة التي أصابت الوعي الجماعي فيما يخص ثقافة العنف اليوم هرب الكثير إلى أحضان السياسة الثقافية التي جعلت كل الأوراق تختلط السياسي بالديني، وفي الوقت الذي تبقى لدى الليبرالية الكثير من المشاريع في مواجهة المد الأصولي نجد أن الأصولية ليس لها أي مشاريع مع الآخر سوى المشاريع الدموية.
وقبل أن تختلط الأوراق لدى القارئ بين الليبرالية والعلمانية نكتفي بتعريف الليبرالية أنها: حاليا مذهب أو حركة وعي اجتماعي سياسي داخل المجتمع، تهدف لتحرير الإنسان كفرد وكجماعة وقد تتحرك وفق أخلاق وقيم المجتمع الذي يتبناها. وعلى الطرف النقيض توجد الأصولية في كل المجتمعات وهي تطلق على الاتجاهات المتشددة لمجمل الحياة، بما في ذلك الشؤون السياسية، حتى إن إسرائيل لديها أصولية قوية تتحرك تحت شعار»استعادة إسرائيل».