يعلم أغلب المهتمين بأنظمة الجودة وممارساتها أنها كمفهوم بدأت في أروقة المصانع والصناعات لتحسين جودة وكفاءة المنتجات الصناعية، وتوسعت أنشطتها وتطبيقاتها لتشمل الجهات الإدارية والوظيفية في القطاعات الصناعية، ويمارس الجميع في هذه القطاعات الصناعية تطبيقات الجودة ويعلمون أهميتها والفائدة العائدة منها وكيف أن الجودة ومن خلال التطبيق المستمر والتطوير أصبحت عاملا مسببا في نجاح ورفع كفاءة المنتجات الصناعية وتحسينها وجعل المنتجات ذات قابلية للتحسين والتطوير. ومع أن الكثير ممن يمارسون تطبيقات الجودة لا تتجاوز ممارساتهم إطار العمل الفني والإداري، وتنحصر مجهودات التطبيق في نطاق الأعمال الإنتاجية، إلا أن الجودة كمفهوم بالإمكان أن تتوسع تطبيقاتها لتشمل النواحي الأخرى من الحياة من أمور مجتمعية وأسرية وتربوية، إضافة إلى كثير من النواحي الأخرى التي ترتبط بالبشرية وتخدمها والتي لم يتم التطرق إليها في تطبيقات الجودة كثيرا.
فالملاحظ منذ سنوات بدء جهات عديدة في استخدام تطبيقات الجودة في نواح مهنية شتى إلا أنه من الملاحظ كذلك أنه لم يتم التنبه لتطوير الأدوات المناسبة لها بل إنها تسببت في تقليص النتائج المرجوة من تطبيق الجودة في التعليم.
الجودة في إطارها العام كمفهوم للتحسين والإتقان قد تتناسب مع الخطوات الأولى لأي رغبات للتطبيق، ولكن يتطلب الأمر خطوات متعددة مع التقدم والاستمرار في التطبيق إلى صنع أدوات للجودة تتناسب مع الحالات الخاصة للمجالات المختلفة والدقيقة والمهنية.
إن استمرار تسليط الضوء على جزء من منظومة الجودة لن يجعل مفهومها يترسخ بالعقول ويتطور لدى المتعاملين والمستفيدين منه، بل سيسهم بأن تكون الجودة مفهوما تنظيريا بعيدا جدا عن أرض الواقع، ولذا وجب البدء ومنذ الآن في الدخول في أعماق هذا المفهوم وصنع أدواته الخاصة به التي تتناسب مع حياتنا لتكون الجودة أعلى من أن تكون مفهوما نظريا، لتصبح نهجا ومنظومة تسير بها حياتنا، فتربية الأطفال
وتعليمهم السلوكيات والأخلاقيات والتعامل معهم على سبيل المثال لا الحصر، يتطلب أن تتحرك نحوه الجهات الداعمة في هذا النطاق، وتخرج لنا بتطبيقات للجودة وممارسات مقننة يتم تطويرها وتحسينها باستمرار حتى نصل إلى مرحلة الثبات والاستمرار لتبدأ مرحلة التحسين المستمر فيها، وتستمر هذه الأدوات سنوات طويلة منتجة أجيالا يغذى بها المجتمع، يتصفون بالالتزام بأسس وآليات وتطبيقات الجودة في شتى مناحي الحياة، لتشكل لنا مجتمعات مستقبلية أكثر وعيا ومحافظة وسلوكا وأخلاقيات وعملا وتطورا ومهنية، ولتحقق تنمية تستحقها بلادنا.