ما نعيشه من حديث بشأن حجاب المرأة والتعاطي الجاهل في الإعلام الجديد مؤشر حقيقي لمستوى الجهل الذي يعيشه مجتمعنا، فموضوع المرأة بشكل عام والحجاب على وجه الخصوص أصبح الموضوع الرئيس الذي نناقشه يوميا وكأنه لا يوجد في مجتمعنا أهم من هذا الأمر.
في الستينيات والسبعينيات لم يكن المجتمع يتعاطى مع موضوع المرأة بهذه الحدة وهذه الشراسة، ولم نكن نسمع عن هذه القضايا وهذا الحوار مع أن المرأة هي المرأة لم تتغير، فما هو الذي طرأ على مجتمعنا لنصل إلى هذا الحد من التوتر في نقاش قضايا المرأة؟تجد بعض المشايخ ومن هم محسوبون على رجال الدين يحاربون كشف وجه المرأة داخل السعودية، وبالمقابل يرحبون ويتعاطفون مع حجابها المعتدل في الخارج، بل ويرون أن المرأة المحجبة (بدون غطاء الوجه) في تركيا مثلاً هي امرأة عفيفة محتشمة، وهذا الأمر يقودنا إلى أن موضوع حجاب المرأة الذي فيه اختلاف كبير هو عرف وموروث اجتماعي أكثر من كونه تشريعا ربانيا.
الدكتور أحمد الغامدي عندما ظهر على شاشة التلفزيون بجوار زوجته المتحجبة (حجابا دوليا) كان هدفه الرد على من راهنوه بأنه لا يستطيع إظهار محارمه بهذا الشكل وهو من نادى بجواز الحجاب الدولي، وكانت ردود الفعل تجاهه من بعض المتشددين والمتمسكين بالعرف والموروث عنيفة جدا خوفا من مطالبة نسائهم.
بهذا الشكل من الحجاب الذي لم يحرمه الدين الحنيف، بل إن أكثر هؤلاء المتشددين تلتزم نساؤهم بالحجاب الدولي عند سفرهم للخارج وكأن بقاع الأرض هي من تحدد شكل الحجاب وأن الدين يختلف من حيث موقعه الجغرافي!في السابق لم يكن الحجاب الإقليمي الذي نشاهده اليوم بهذا التشدد، فكانت المرأة تلتزم بالحجاب الذي نصت عليه الكثير من النصوص الدينية وهو تغطية الرأس والجسم كاملا، وكان المجتمع أطهر وأنقى مما هو عليه اليوم، ولم تكن النظرة السوداوية تجاه المرأة بهذا السوء الذي نشهده اليوم، وما نشهده اليوم من تعصب في هذا الجانب كان نتيجة الغلو الذي تبع الصحوة في فترة الثمانينات والتي أهلكت المجتمع وأغرقته في مواضيع تافهة وأبعدته عن القضايا التي تهم المسلم في حياته كالتسلح بالعلم والارتقاء بالفكر وسموه.
تقسيم الدين جغرافياً وحدودياً له أبعاد خطيرة تغذي المذهبية والطائفية وتشجع على التنافر والبغضاء، فالدين لله والأرض لله والتشريع السماوي يصلح للجميع وفي أي بقعة من الأرض، واختلاف الثقافات والأعراف والموروثات يجب أن لا يرتبط بالدين، وهذا ما يجب على رجال الدين معرفته، فالدين ليس مخصصاً لمجتمعنا بل هو دين سماوي لجميع سكان الأرض ولكل زمان ومكان.
الحجاب الدولي والحجاب المحلي نتاج عقليات مريضة هدفها الاستحواذ على مرجعية الدين وتحجيمه في منطقة جغرافية، وكأن هذه الأرض هي المكان الوحيد الذي يصلح لهذا الدين، وتناسى من يحجمون هذا الدين بأن الرسالة السماوية انطلقت من مكة المكرمة التي لم يعتد نساؤها منذ الأزل على الحجاب المحلي إن صح التعبير، وذلك نتيجة فهمهم وتواترهم على تعليمات الدين منذ أكثر من ألف وأربعمئة سنة دون انقطاع أو تلوث، فلنكن أكثر وعياً وأكثر فهماً وأكثر انفتاحاً على المعنى الحقيقي للدين بعيداً عن السطحيات والشكليات التي تسبب البغضاء والانقسام والبعد عن حصر الدين وتعاليمه في منطقة جغرافية وتجاهل الآخرين.