أسفاري الكثيرة قادتني إلى أجمل المدن وأردئها في العالم، وإلى أحنِّها وأقساها. كلما زرت إحداها شدتني حركة بشرها في الشوارع. أتأمل نظافتها وحجارتها ووجوه ناسها، مسارحها ومتاحفها وعروضها الفنية. الكثير من مدننا العربية تغيرت في السنوات الأخيرة فأصبحت هي أيضا أكثر نظافة وجمالا، لكنها في الأغلب الأعم حزينة، ينقصها شيء من الحياة. يردح فيها الفرد كالشاه الذبيحة بين عمله وبيته. تتصحر، المدن وتصبح جافة مكتفية بثقافة المول الذي لا يصنع فرحا وثقافة على الرغم مما لهذا الأخير من فوائد، تسهل سبل العيش. الكثير من هذه المدن العربية لا تشكو نقصا في المرافق، فهي تتوفر على أجمل قاعات العروض السينمائية والفنية والمسرحية والأوبرا، لكن ناس المول غير معنيين بهذه الأماكن التي تحتاج إلى ثقافة أخرى، تبدأ من البيت والمدرسة وتنتهي عند الوالدين. بدون ذلك، تظل هذه الأماكن مجرد ديكورات، لن تجد من يعطيها الحياة. مدننا الجميلة أصبحت جافة. لم تعد القاهرة كما كانت. فقدت الجزائر الكثير من رونق المدن الأوروبية الذي اتسمت به. دمشق أصبحت مجرد اسم في نشرات الأخبار. بغداد فقدت عطرها الأول وعوضته برائحة الموت. تونس مثقلة بمشاكلها اليومية. لم يعد أحد يحكي عن صنعاء رامبو، ولا طنجة شكري وابن بطوطة، ولا جزائر كامي وسرفانتس، ولا تونس ابن خلدون. كم نحن اليوم في حاجة إلى مدن ثقافية تقودنا إلى النور والحلم والفرح. مدن تغنينا وتسهم في توقيف التصحر والفقر الحياتي والثقافي وتمنحنا جمالية وإمكانية عيش شبيهة لما هو موجود في العالم. بايروت في ألمانيا، تحتفي بفاغنر والموسيقى كل سنة. أفينيون مدينة المسارح المفتوحة طوال الصيف أمام عشاق الفنون الدرامية. فيينا مدينة الأوبرا وآخر المنجزات السيمفونية. فينيسيا مدينة للجمال والفن وعبقرية الإنسان. مدن صغيرة أصبحت اليوم جزءا من ذاكرة العالم. من حقنا أن نحلم في الوطن العربي بمدن جميلة أيضا. تحبنا ونفرح بها. لا مدنا ترفضنا ونكرهها ونكيد لها.
مدنُنا الحَزينَة
واسيني الأعرج2 دقائق للقراءة

حجم الخط
