كان في الجو ما يُشبه الغبش، لذا كان من الصعب تحديد الوقت الذي اتجهت فيه إلى مبنى السيدة «نزاهة» – أمدّ الله عمرها وبلّغني والقارئ الكريم ثمار زرعها – كان يفصلني عن المبنى أميال، ومع ذلك كنت أراه بوضوح، لم يكن يفصلني عنه سوى مساحة «مشبوكة» لا تحجب الرؤية، لكن تلك «الشبوك» جعلت الوصول يتطلب أميالاً مضاعفة للوصول، أول ما لفت انتباهي موقع المبنى إذ يُطل على رابية خضراء وحقل جميل من جهة، ويطل من الجهة الأُخرى على هاوية سحيقة ومخيفة جداً، بررت ذلك بأن الأمر لا يتعدى الصدفة، فنحن اعتدنا أن كثيراً من الأشياء التي حولنا تحدث - هكذا - صدفة، المدخل لم يكن اعتيادياً، لا يوجد باب خارجي، ولا «عتبة» مرتفعة، تدخل في ما يشبه ممرا متوسط الطول يوصلك لصالة فسيحة، اعتقدتُ أن تصميمها أيضاً (صدفة) وليس لغرض التهيئة النفسية للزائر كي يتخلص من رهبة الأماكن الرسمية، في مكتب شبه مفتوح على الصالة الفسيحة لمحت السيدة «نزاهة» منهمكة في قراءة أوراق يبدو من طريقة تركيزها بأنها مهمّة جداً، لا أخفيكم أن ملامحها لم تكن بالصورة التي رسمتها لها بمخيلتي من قبل، فهي رغم ملامحها المُرهقة حد الإنهاك إلا أنها تبدو شابة بمقتبل العمر، لدرجة أنني «كدت» أن أشفق عليها من وطأة أحلامها الكبيرة، ما إن لمحتني حتى بدت عليها نصف ابتسامة، أو ربما ابتسامة حذرة، عند وقوفها بدت أكثر رشاقة وشباباً، صوتها كان هادئاً جداً لدرجة أن خُيّل لي أنها دعتني للجلوس، جلست بهدوء، وعادت هي بهدوء لإكمال قراءة ما بيدها، فحاولت أن أتشاغل عن رهبة الصمت بالنظر إلى تفاصيل المكان حتى تبدأ هي بتبديد لحظات السكون الطويل بسؤال أو حتى كلمة مجاملة، لكنها لم تفعل!
لهذا حاولت أن أجرّب لياقتي (الشعرية) بمحاولة قراءة عينيها (بالطبع كنت متأكداً أن جرير لم يكن يعنيها ببيته الشهير) لكن انشغالها بالورق أمامها لم يتح لي أيضاً ممارسة لعبة الحدس كما يجب، لهذا لم أجد غير (أسنة) المبادرة بالكلام، فركبت اللغة الشرسة مهاجما: الفساد يتكاثر كالفطر، ومحاولة مكافحته بالطريقة التقليدية، إذا لم تكن مضيعة للوقت فعلى الأقل هي مجرد تجريب طُرق لم تأتِ بنتيجة من قبل، خذي - يا عزيزتي - مثالا بسيطا، المواطن (الصالح) ضاق ذرعاً من مشاهدة الفساد، وعندما يصرخ: فساد «وانزاهاه»..فإنكِ بكل هدوء الدنيا، وبحكمة أكثر مما ينبغي، تردّين بهدوء: هل تملك دليلا ماديا على ذاك المُفسد، وأنتِ بهذا توصلين لي رسالة مُربكة، فإما أنكِ تعتقدين أن الفاسدين سُذّج جداً لدرجة أنهم من الممكن أن يتركوا دليلا على جريمتهم، أو أنك مثلي تماماً، أي أنني أستطيع أن أقوم بدورك، فحصولي – لو تم – على وثائق رسمية يجعل أمامي خيارات أُخرى غيرك، فأنا كان أملي أن أُريك موضع الألم، وأنتِ تقومين بتشخيص الورم هل هو حميد أم خبيث، وليس أن آتيك بتقرير طبي يؤكد خطورة الحالة كي تدخليه إلى غرفة العمليات!
يا صديقتي أنا لا أُريد أن أقسو عليك، لكنني أحفزّك كي تكوني برشاقة ونباهة وحاسّة شقيقتك (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) – كمثال – صدقيني هي تعمل مثلك تماماً تحت نفس المظلّة ونفس الأنظمة، لكنها تجاوزت الكثير من العقبات بمبادراتها الجريئة، وسنتعامل معك - بصدق - بنفس التسامح إن حدثت بعض الأخطاء ..
وعلى صوت إغلاقها للملف الذي بين يديها بقوّة، صحوت من (نومة العصرية) التي كثيراً ما حذرتني منها أُمي وأنا أردد: اللهم اجعله خيراً..اللهم اجعله خيراً!
لقاء مع «نزاهة»!
فهيد العديم3 دقائق للقراءة

حجم الخط
