حيال المأزق الناشئ عن تمدد «داعش» وعربدتها في العراق؛ أصبح التوافق، الراقد أو المُعلّب، بين الولايات المتحدة وإيران، على إدارة التوجهات الاستراتيجية في هذا البلد؛ تتطلب قياماً ونشاطاً جديديْن. ومن بين ما يشجع الطرفين، الأمريكي والإيراني، على هذه التعلية لمستوى التعاون، أن التوافق، بصيغته الأولى، صَمدَ أمام رياح التجاذب حول شؤون أخرى، بين طهران وواشنطن. وللطرفين، كما هو معلوم، مصالح أو مطامح استراتيجية في المنطقة، وبالتالي لا بد من «هات.. وخُذ»!
إدارة الرئيس أوباما، وجدت نفسها في محك صعب، عندما طال جنون «داعش» مسيحيين عراقيين وكنائس. فكيف لا تُحرك ساكناً وهي من هي فيما تزعمه لنفسها من مسؤولية على سلامة الشعوب وسلامها، بينما يُهان المسيحيون ويطردون من بلادهم ومن بيوتهم وتستباح كنائسهم.
طهران، بدورها، وجدت نفسها في مأزق عسير واقتنعت باستبدال خيلها أو إطلاق رصاصة الرحمة عليه فتدبرت إجماعاً شيعياً عراقياً على طرد نوري المالكي من المشهد. وفَتَحَ هذا التدبير، الباب للأمريكيين للبدء بالدور المُرتجى لكبح جماح «داعش» وتصفيتها. فلن يستطيع الأمريكيون، العودة إلى العمل العسكري المباشر في العراق، قبل ترضية العرب السُنة وتحييدهم، وحرمان «داعش» من حاضنتها الاجتماعية التي لاقت من غلاظة المالكي ما جعلها تتطلع إلى النُصرة من أية قوة عاتية بقطع النظر عن حيثياتها. وعلى هذا الأساس جرى التناغم بين واشنطن وطهران تحت عنوان الحكومة العراقية التوافقية، التي تمثل كل أطياف الشعب العراقي وتُعيد الاعتبار للدولة.
إيران استبقت صيغة أمريكية أخرى متوقعة، سيكون موضوعها إنهاء الحرب في سوريا. فـ»داعش» باسمها ورسمها وحضورها، تشكل كابوساً ذا جغرافيا تشمل سوريا والعراق، وهي بمثابة أفعى لها رأسان واحد هنا والآخر هناك.
لذا فإن الصيغة الأمريكية متوقعة، وسيكون جوهرها العمل المشترك مع طهران بدون الأسد. وعليه فإن هذا الأخير، وبإيعاز مفترض من طهران، بدأ في تركيز القصف في سوريا على «داعش» التي كان يتحاشاها ويريدها أن ترمي أعداءه معه عن قوس واحدة. وربما تكون طهران قد خدعت حليفها الثقيل المتورط مع الآثام، وأوحت له أن دوره في القضاء على «داعش» سيُحسب له، وأنه دور مرسوم ومنسق مع الولايات المتحدة. وباعتبار أن مصالح أمن النظام السوري لها صلات مع الأجهزة الأوروبية؛ ستكون هذه الأخيرة شجعت الأسد على القيام بدوره وأوهمته أنه بات جزءاً من تحالف ضد الإرهاب الجديد المتغوّل. لكن الأمريكيين والأوروبيين لا يجهلون أن المالكي والأسد، أطلقا العنان عن عمد لجماعة «داعش».
فالاثنان كانا يتصوران بغباء، أنهما بهذه اللعبة الخطيرة، سينجحان في إدانة الحراكين الشعبيين في العراق وسوريا بالإرهاب، وسينصّب كل منهما نفسه كمقاوم للتطرف، علماً بأن عنصر التأهيل الأول لمن يريد أن يطرح نفسه كمقاوم للإرهاب، هو أن يكون عادلاً هو نفسه أولاً، في الحكم وفي السلوك.
إطاحة المالكي وما بدا من توافق أمريكي إيراني، يؤسس لمنطق يجعل السؤال طبيعياً: هل تكون ثمة صفقة مشابهة تتعلق بسوريا، وتضمن للبلدين مصالحهما فيها؟!
الأمريكيون تعمدوا تعذيب المعارضة السورية المدنية والمعتدلة ومرمرتها دون القطع معها، لكي ترتمي في أحضانهم يأساً والامتثال لما يرسمونه لمستقبل سوريا. فعلوا الشيء الكثير على هذا الصعيد، وكتموا الصوت السوري الشعبي الطبيعي المتعلق بالصراع مع إسرائيل توخياً للنجاة ولعدم إغضاب الأمريكيين. وربما تكون الأمور الآن بالنسبة لواشنطن تقترب من إبرام صفقة مع طهران حول سوريا، يكون جوهر ربح طهران منها مصالحها في العراق وهذه لها ضمانتها من خلال المرجعيات الشيعية، على أن يحكم في سوريا من لا يخاصمونها بحدة ومن يضمنون لها الحد الأدنى من مصالحها، لكن الأمور لا تجري في العادة مثلما رسم لها الغالبون!