على ما أذكر أنه بالزمانات كانت مسألة حل المشكلات في الحواري بين خلق الله تتم بالأيادي والأرجل- وأنتم بكرامة - وكل الأدوات البيضاء أو الحادة، وكانت مراكز الشرط لا تكاد تخلو يوما دون أن تستقبل عددا من الحالات التي تسمى مضاربات..
هذا الكلام كنت أعرفه تمام المعرفة في مكة والطائف في الثمانينات الهجرية من القرن المنصرم. وجاءت السيارات واستمرت المشكلة، إذ من الطبيعي أن تجد الطريق متوقفا نتيجة سائقين في حالة مضاربة من العيار الثقيل، تستخدم فيها العصي والعجرات وكل أدوات الجرح والنزف وربما الموت أحيانا، ويتدخل الجمهور بعد أن يكونوا شبعوا فرجة ربما من مشاهدة المعركة، أو تدخل رجال الأمن والمرور، طبعا لحل القضية وفتح الطريق أمام خلق الله..
تطور البلد والتعليم، والأنظمة لعبت دورا في تهذيب سلوك خلق الله، وأصبح من العيب الدخول لمراكز الشرط، وشبه اختفت حالات مدة اليد إلا فيما ندر، بل أصبحت شيئا غير حضاري وعيبا اجتماعيا، لأن الناس أصبحت أكثر وعيا..
اليوم عندما تسمع بحالة مدة يد بين اثنين أو أكثر في شارع أو مكان عام تكاد لا تصدق، خاصة إذا استخدمت فيها آلات حادة ونتج عنها إصابات، أما أن تسمع بحالة مضاربة في مكان حكومي عام فهنا تصبح المسألة غير طبيعية، بل وتدل على قصور في الوعي، وضعف في التأهيل، خاصة عندما يعتدي رجل أمن في منفذ جوي على مسافر قادم..
صحيح أن مسؤولي الجوازات أكدوا على معاقبة رجل الأمن وإحالته للتحقيق بسبب مدة اليد على المواطن في مكان هو واجهة البلد وفيه قادمون ومغادرون من كل دول العالم.. وهو سلوك غير طبيعي، بل وعيب، ولا يمكن أن تشاهده حتى في أوغادوغو أو دكا.
حقيقة، بصرف النظر عن الحادثة، لا يزال للأسف لدينا مشكلة في الوعي والتأهيل حتى وإن كانت حالة فردية قد لا تمثل الجهاز ولا منسوبيه.. صحيح أن هناك شيئا من الإشكالات تحدث يتم حلها بإحالة المسافر للمسؤول عن الفترة لحلها، وهي مسألة طبيعية تكاد تحدث دائما نتيجة سوء تهذيب أو استخدام ألفاظ مشينة من الطرفين، لكن في نظري هي مسألة الوعي والعيب الاجتماعي والقصور في التعامل، إذ لا تزال مدة اليد قائمة حتى في أماكن عمل عامة، ناهيك عما يحدث في الشارع على مسائل تافهة بين سائقين أو حتى السرا عند الفوال أو صاحب التميس..
عندنا هناك مشكلة عدم وعي وشغل حوارٍ لم ينته بعد، والبشر يجب أن يتأدبوا بشكل قاس نظامي ليعرف البني آدم حدوده الطبيعية.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.