تبادل الاتهامات بين جيش جنوب السودان والمتمردين بمهاجمة مدن في ولايتين بعد نحو أسبوع من توقيع اتفاق لوقف إطلاق النار لإنهاء 15 شهرا من الصراع، ينذر بعودة الوضع إلى المربع الأول. لقد أسفر هذا الصراع العبثي عن مقتل آلاف الأشخاص ونزوح أكثر من مليون شخص منذ اندلاع القتال بسبب الصراع على السلطة بين الرئيس سلفا كير ونائبه السابق ريك مشار.
النتيجة الحتمية لهذا الصراع العبثي تمثلت في وجود 2,5 مليون شخص أو نحو خمس مجموع سكان البلاد يواجهون شبح الجوع ومن المرجح أن يتفاقم الوضع إلى مرحلة الأزمة والطوارئ إن أخفقت الجهود الجارية لدعم سبل المعيشة والأمن. والمفارقة أن معظم ولايات البلاد تملك إمكانات ضخمة لإنتاج ما يكفي من الغذاء إلا أن انفراط الأمن وعدم توفر البنية التحتية يعوقان ذلك. فالمليشيات المسلحة تواصل قصف مستودعات الغذاء ونهب المساعدات وترهيب عمال الإغاثة.
جنوب السودان يشهد منذ منتصف ديسمبر 2013 ولا يزال حربا مدمرة أنهكت الدولة الفقيرة وعطلت مشاريع التنمية وحرمت السكان من ثمرات عائدات النفط التي كان يعول عليها في تأسيس بنيات تحتية، حيث تفتقر البلاد لأبسط المرافق الحديثة، كونها كانت في حالة حرب لأكثر من عقدين من الزمان قبل انفصالها عن الشمال.
استمرار الصراع يعني ضياع الدولة الناشئة وتحولها إلى كيان فاشل بكل المقاييس. المطلوب وبشكل عاجل من الأطراف المتحاربة تعزيز جهودهم للتوصل إلى حل سلمي للأزمة من خلال الالتزام بخارطة طريق تقود إلى استئناف محادثات السلام، ومعالجة المشاكل في جوهرها مثل الإصلاحات الدستورية والاقتصاد والمصالحة الوطنية وإحقاق العدالة في الجرائم التي ارتكبت منذ بدء النزاع.
يجب على الحكومة والمتمردين على السواء التفكير في شعبهم المنكوب الذي لم يهنأ بالعيش منذ الانفصال، حيث كان يعلق آمالا كبيرة على قيادته في نقل البلاد إلى دولة الرفاه والأمن بما تملكه من موارد نفطية كبيرة وقدرات زراعية وحيوانية ومائية تفوق بأضعاف كثيرة احتياجات السكان.