ماذا تتوقعون لمن انكفأ على القراءة والاطلاع منذ الصغر، حتى شهد له كبار علماء العالم، وحرصت كبريات مكتبات العالم على الاحتفاظ بما كتبه؟
إنه (أبو علي) الذي بدأ رحلته المثيرة منذ طفولته، فقد كان عازفاً عن اللعب مع رفقائه، مقبلاً على القراءة والاطلاع، وعندما شبَّ اشتغل موظفاً في الديوان الحكومي، إلا أن طموحه كان أبعد من وظيفة مضمونة براتب ثابت، لذا غادرها وواصل رحلته خلف هدفه الأساسي، وهو العلم، فسافر في طلبه إلى دولٍ عدة منها مصر وسوريا وإسبانيا ليدهش العالم.
ولد في البصرة عام 354 للهجرة، في فترة كانت تعد العصر الذهبي للإسلام، وبدأ في تلقي العلم فيها حيث قرأ العديد من كتب العقيدة الإسلامية والكتب العلمية، حتى ذاع صيته في عدة علوم ثم انتقل إلى مصر، وقال «لو كنت بمصر لعملت بنيلها عملاً يحصل النفع في كل حالة من حالاته من زيادة ونقصان». فوصل قوله هذا إلى الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله الذي دعاه لتنظيم فيضانات النيل، وهي مهمة تطلبت حينئذ بناء سد في الموقع الحالي لسد أسوان، وبعد أن تفقّد الموقع أدرك عدم جدوى هذا المشروع لضعف الإمكانات المتاحة في ذاك الوقت، وخوفاً من غضب الخليفة، ادعى الجنون، فاحتجز بمنزله من عام 401 هـ حتى وفاة الحاكم في عام 411 هـ وخلال تلك الفترة، كتب كتابا من سبعة مجلدات، وعشرات الأطروحات الأخرى في الفيزياء والفلك والرياضيات، ثم سافر بعد ذلك إلى الأندلس، حيث كان لديه متسع من الوقت لمساعيه العلمية، والتي شملت أيضا البصريات والطب، والقيام ببعض التجارب العلمية التي كتب عنها العديد من الكتب في تلك الموضوعات.
إنه أبو علي الحسن بن الهيثم، العالم المسلم العراقيّ الذي سكن غرفة بجوار الجامع الأزهر في مصر واتخذها سكنًا، كما اتخذ من مهنة نسخ الكتب العالمية والتأليف والترجمة مورداً لرزقه؛ إذ كان متمكناً من عدة لغات، فكان يجني من نسخ الكتب أجره، ولم يكن المال ضمن اهتمامات الرجل الذي اختار أن يعيش على الكفاف، ليترك للعالم تركة عظيمة قدرها (237 كتابا) في كثير من التخصصات، والتي أسهمت فيما تشهده أوروبا والعالم من نهضة علمية اليوم.
لقب بأمير النور، وقالت عنه الكاتبة الألمانية الشهيرة زيجريد هونكه التي توفيت عام 1999م، في كتابها شمس الله تسطع على الغرب «كان الحسن بن الهيثم أحد أكثر معلمي العرب في بلاد الغرب أثرا وتأثيرا، وكان لهذا العربي النابغة على بلاد الغرب فضل عظيم حتى أيامنا هذه».