في قلب مدينة جازان المفتوحة على أفق من زرقة لا تنتهي، استقبلنا الشاعر محمد يعقوب ليأخذنا إلى أحد الأسواق الحديثة في وقفة مع «ذاكرة الفل»، وهو معرض للفنان التشكيلي عبدالوهاب عطيف، الذي يصفه بأنه عبارة عن صور من الحياة الجنوبية اليومية بأسلوب معاصر، تراوحت بين ثلاثة مسارات واقعية ومفاهيمية ورمزية.
اشتغل عطيف في هذا المعرض على الموروث الشعبي مستخدما السعف كخامة أساسية، أضافت للعمل بعدا جماليا وعمقا واقعيا، وهو أول فنان يستخدم هذه الخامة التي يصعب الرسم والتلوين عليها.
إحدى لوحات المعرض التي أخذت من الجهد نحو 15 عاما كما ذكر عطيف، هي عبارة عن تجسيد لقصيدة الشاعر أحمد السيد عطيف «شيح ورماح»، إلى جانب عدة أعمال استوحت تشكيلاتها البديعة من انحناءات أزهار الفل، وحِدّة قرون الكادي، مستثمرا الألوان المبهجة والأكثر شيوعا في الحياة الجيزانية، تحديدا كالأبيض والأحمر والأصفر والأخضر والتي يستخدمها الرجال والنساء على حد سواء.
وأوضح عطيف أنه شارك بمعرضه الشخصي الأول هذا في أحد المراكز التجارية، ليكون أقرب للناس وليمكنهم من الاطلاع على الأعمال الفنية كمحاولة للارتقاء بالذوق العام، مبرزا دور المرأة الجنوبية الاقتصادي والاجتماعي في الحياة العامة كشريك فاعل للرجل في مواسم الزراعة والحصاد والفرح.
من جهته أبدى مدير عام الأندية الأدبية الشاعر أحمد قران رغبته في إقامة شراكة ثقافية بين عطيف وأدبي جازان، مؤكدا استعداده لمخاطبة النادي لتوفير كل التسهيلات لإقامة مثل هذه الفعاليات في أروقته.
«تظهر لوحات عطيف عنايته بمحيطه البيئي، وولعه الخاص بتقنيات رسوم الحقل والفضاءات المفتوحة، ويركز في رسوماته على ممارسات الحياة في واقع غني وخلاق، لينقل لنا أحاسيس الفنان، ومترجما إياها عبر نصوص تشكيلية تحمل رائحة الأرض وتعكس معاناة الإنسان في هذا الجزء من الوطن. ويتأسس جمال تجربته من قدرته على الاقتراب من موروثه وأدواته الشعبية، ويذكرني بأوائل الفنانين المحليين العرب أمثال السليم وبيكار وغيرهما. وعطيف لم يعد شغوفا فقط بمشهد الحقل والسقاء على البئر، بل جعل من الموسيقى مرادفا وموازيا للنصوص التشكيلية، لذا فلا غرابة أن تلتصق محاولاته هذه بذاكرة فلية وحضور عطري جميل».
علي ناجع - ناقد تشكيلي
«يدخلك عطيف للفن عبر أبعاد زمنية متعددة، تبدأ من النهار بكل تفاصيله، حيث الأمل والفرح المتعدد في لوحاته، إلى الغروب الذي يأخذ الانتظار والشك. فالألوان من بعيد تشي بالحرارة، وحين تقترب من اللوحة تجد ألوانها هادئة باردة وكأنها تعكس قرب الزمن منك. عمل عبدالوهاب على خامات المكان، عابرا بالأمس إلى اللحظة من خلال السعف، الفل، العشة، وغيرها، على سبيل المثال حول الأبعاد الستة، «يمين، يسار، أمام، خلف، فوق، تحت» إلى ثمانية أبعاد من خلال العشة وزهرة الفل، وكل بعد من الثمانية يتعدد إلى ما لا نهاية، وكأنه ليس ما نراه في الواقع بل هو ما في داخلنا، ولولا أبعاد الداخل ما كان الفن».
عبدالرحمن موكلي - شاعر

