تقول مستشارة ألمانيا «أنجيلا ميركل»: «إذا لم يستطع الإنسان أن يخترع كذبة مقنعة، فأولى به أن يتمسك بالصدق». وهو منطق نفعي متدن يشبه أن ننصح أحدهم بألا يسرق لمجرد أنه لا يُتقن ذلك. وهذه أمور تتفق مع الساسة، حيث الكذب سلوك طبيعي.
وشخصية الكاذب جديرة بالدراسة، والمقصود هنا ليس الشخص الذي يعاني من الكذب كعرض، بل كمرض، وهي شخصية تتمتع بصفات أسطورية، حيث الذكاء الحاد والمنطق المتماسك والخيال الخصب والقدرة على اتخاذ القرار وسرعة الاستجابة وإتقان مهارات التمثيل والتوازن العصبي الحركي والثبات الانفعالي، وغيرها من الصفات المهمة التي تجعل من «الكاذب الممنهج» شخصا فريدا ومتميزا. والخلل العقلي الوحيد في شخصية الكاذب هو أنه لو استخدم إمكاناته تلك لحل مشاكله دون كذب لأصبح بطلا وليس نصابا.
والنصاب هو كاذب متميز قد يقنعك بأي شيء؛ فهو عبارة عن عبقري اختار لنفسه طريقا غير مقبول اجتماعيا. وفي بعض الحالات يمكن له أن يغلف موهبته الشيطانية بغلاف سياسي، فيتقلد منصبا، ويتحول من نصاب إلى داهية (راجع سيرة الرئيس الأمريكي الأسبق ليندون جونسون مثلا). كما يمكن له أن يسلك طريقا آخر وهو الطريق الفني، فينتقل وقتها إلى خانة المبدع؛ فـ «آل باتشينو» مثلا كان سيصبح من أعظم نصابي العصر لولا شغفه بالمسرح وحبه للتمثيل ثم التقاط المخرج «فرانسيس كوبولا» له بفيلم «الأب الروحي» ليصبح بذلك أحد أهم ممثلي القرن العشرين.
وهناك كذب مبرر، لكنه يظل كذبا ولا يسامح التاريخ فيه، مثل كذب الإعلام المصري أثناء نكسة عام 1967 وادعائه المستمر طوال معركة الأيام الستة أن مصر تتقدم وتُسقط طائرات العدو. والواقع أن بديل هذا كان مصارحة الجنود بالوضع الكارثي على الأرض وهم على الجبهة، وهذا ليس مقبولا بكل تأكيد، ولذلك فلا يمكن اعتبار هذا كذبا، بل خدعة مباحة من خدع الحرب.
كذبة واحدة قد تُنهي حربا (خدعة حصان طروادة). وكذبة أخرى قد تضيع دولة (السلاح النووي العراقي)، وكذبة ثالثة قد تصنع مجدا (من المتواتر أن نيل أرمسترونغ لم يطأ القمر يوما، بل تمت فبركة الأمر كله). وأسوأ كذبة، وكما قيل سابقا، «الصدق في أقوالنا أقوى لنا، والكذب في أفعالنا أفعى لنا».