بمجرد انتهاء صلاة الفجر، تأخذ مدينة التمور في بريدة أهبة الاستعداد لوصول مجموعة كبيرة من باعة التمر ومسوقيه وزبائنه الذين سيحولون الساحة الرئيسة خلال وقت قصير من حالة سكون تام إلى سوق مكتظة لن تهدأ طيلة الفترة ما بين الساعات الصباحية الأولى، وحتى السابعة مساء.
7 مسارات رئيسة ينتظم فيها عدد لا نهائي من مركبات النقل التي تحمل التمر بكميات كبيرة، أصوات المزاد لا تتوقف حيث يقف وراء معظمها شباب يبدو عليهم إتقان الأمر جيدا، ونعلم فيما بعد أن بعضهم يعمل أصلا في القطاع الخاص، أو في التعليم، ولكنهم يخصصون وقتا للتعامل بجدية مع من يمارس هذه التجارة كعمل وحيد، إن لغة الجسد والنظرات التي يوجهها أحدهم إلى المشترين المفترضين كافية بإقناعه، فضلا عن وتيرة الصوت التي يستخدمونها في تسويق البضاعة كفيلة بجعلك تطمئن بالفعل أنك تحصل على أفضل ما هو موجود.
وما بين ثلاثين ريالا وحتى ثلاثمئة ريال يمكن الحصول على أحد صناديق التمر ذات الحجم الموحد بين جميع الباعة، والتفاوت بين نوع وآخر، أو بين النوع نفسه يرتبط مباشرة بالجودة، حيث تكون مهمة المشتري الحاذق أن يتمكن من رؤية هذا الفارق الذي لا يكاد يرى ويتخذ قرار الشراء دون تأثر بالجو العام أو ببراعة المزايدين في الترويج لما لديهم، إنه الشيء الذي يفعله رجل وقور يبدو في الخمسينات من العمر، ويتجول بهدوء بين المركبات دون أن يبدي أي تفاعل واضح، قبل أن نعرف أنه (تاجر) يستعد لشراء كمية كبيرة، لن تقل عن حمولة سيارة كاملة من التمر وهو ما يعرف بـ»البيعة».
في مهرجان التمور، ستجد أشخاصا يسمون (الكتّاب) وهم ليسوا كتاب صحف ولا كتاب عدل كما سيتبادر لذهنك، ولكنهم الأشخاص المعنيين بتوثيق وحساب الصفقات التي تتم بين الباعة والمشترين، وعملهم يرتبط مباشرة بالمسوقين وأصحاب المحلات، كما أن هذا المهرجان يجمع بين طابع السوق العربية التقليدية في عمليات الشراء الميدانية المباشرة وبين تحوله إلى نشاط اقتصادي منظم، فهناك مزاد الكتروني مصاحب، وكذلك حضور للجنة شباب الأعمال التي خصصت مساحات لمجموعة من رواد الأعمال في هذا المجال، وذلك ضمن مبادرة سميت (دلني على السوق)، بالإضافة إلى مركز إعلامي ومعارض مصاحبة تتضمن شرحا عن أبرز أنوع وفوائد التمر وحقائقه الصحية، وازدهار زراعته وتسويقه.
ثمة أنواع متعددة من التمور، غير أن (السكري) تحديدا يبدو الأكثر بروزا فيما بينها، بل يكاد يكون النوع الأساسي في هذه السوق، ستسمع كثيرا أسماء (البرحي) و(الخلاص) و(الرطب) ويحدث أن تتناهى إلى مسامعك كلمة (جالكسي) بشكل يتكرر لحد أن تشك في أنك موجود في سوق للهواتف الذكية، غير أن التوضيح يأتي من شاب يضع جواله جانبا ويشير إلى أحد الصناديق الممتلئة بتمر صغير الحجم نسبيا، «هذا هو الجالكسي» وفي حين نتوقع أن التسمية تأتي ضمن موجة الأسماء العصرية ذات الطابع التسويقي، يوضح الشاب أن الأمر أبسط من ذلك، حيث جاءت التسمية من تطابق لون هذا التمر تحديدا مع لون الشوكولاتة ذات الاسم نفسه.