إذا كانت الديمقراطية وسيلة لتحقيق العدالة فإن الوسيلة تضعف مع الزمان ومع تحول المجتمعات وظهور ظروف جديدة تفرض على العالم تطوير الوسيلة أو تغييرها.
وفي مقال سابق تحدثت عن أن الديمقراطية قد تكون في نهايتها وسوف يظهر نظام عالمي جديد يتجاوز العولمة وما بعد العولمة والحداثة وما بعد الحداثة، ولست مطمئنا إلى عدالته الكاملة فقد يحمل بذور ظلم جديد ونوعا من الاستبداد غير متعارف عليه.
نحن نعيش في مجتمعات لا يمكن أن تطبق الديمقراطية إلا بالوصفة العلمانية مهما حاول كثير من الإسلاميين الفصل بينهما، لأن المجتمع المتعدد الأعراف والعرقيات والمذاهب والديانات لا يمكن حكمه على الطريقة الديمقراطية إلا بنظام علماني يؤمن بالتعددية السياسية وأحقية حكم الآخر مهما كان مخالفا، وغير ذلك لا يكون إلا زعما للديمقراطية.
عندما انفجرت الفتنة في العراق دعا عدد من العلماء المسلمين إلى نظام علماني يحكم العراق يفصل الدين عن السياسة ولا يسمح للمذاهب أو العرقيات أن تتحكم في بعضها، لأنهم رأوا استحالة رضا طرف بحكم الطرف الآخر إلا إذا استطاع طرف إخضاع الآخر بالقوة المسلحة، وهذا ما سيحدث في جميع الدول التي أزاحت الأنظمة السابقة وإلا فإن الفتنة ستظل قائمة.
ومهما حاولنا تطبيق الإسلام في الوقت الحاضر حسب الشروط العالمية المفروضة فلن ننجح إلا في جوانب معينة، لأن الإسلام لا يقوم كاملا على الطريقة النبوية أو الراشدية إلا في ظروف أخرى غير الظروف التي نعيشها، ولذلك فإن الذين ينادون بالخلافة الإسلامية الشاملة (بغض النظر عن الإرهاب) هم أكثر صدقا وواقعية في الدعوة للنظام الإسلامي التقليدي من أولئك الذين يريدون تطبيقه في جو القطريات والأنظمة الإقليمية والمهنية العالمية.
والذين يظنون أن الديمقراطية هي الشورى بعينها فإنهم يمثلون النظرة الساذجة، لأن الديمقراطية نظام يتفق مع غيره ويختلف، ولأن الغاية الكبرى التي تتطلع إليها البشرية هي العدالة المطلقة لا يهمها شكل الأنظمة التي تحكمها، فالحكم الفردي قد يحقق العدالة المطلقة كما هي الحكومات التي صنعها الوحي ونفذها الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في أكثر من مرحلة من مراحل تاريخ البشرية، فسليمان عليه السلام كان ملكا منفردا بالسلطة وكان على قدم العدالة المطلقة، وهكذا كان أبوه داود عليه السلام، ورأينا يوسف عليه السلام حاكما في مصر يملك ناصية الأمور ويمثل العدالة في أرقى أشكالها.
وسيدنا المصطفى صلى الله عليه وسلم كان حاكما منفردا بحكم الوحي مع الشورى التي أمره الله بها إكراما لأمته وتعليما لها.
والحكم بشكل فردي ظهر في التاريخ يمثل العدالة في عدة مشاهد قديمة وحديثة، ومن أكثر الأسماء انتشارا في التاريخ الملك ذو القرنين المذكور في القرآن، وحكم الخلفاء الراشدين ومن سار على نهجهم.
وهو إثبات أن العدالة ليست حكرا على نظام دون نظام، وقد تأتي العدالة على متن أنظمة ثورية ومسلحة، وقد تأتي على متن أنظمة قبلية، وقد تأتي على أشكال كثيرة.
إذن فالعدل هو المطلب النهائي للشعوب بعيدا عن المسميات، بل قد رأينا كثيرا من الناس يتمنون عودة المستبدين السابقين بسبب فشل القادمين إلى السلطة في تحقيق العدالة بمسميات ديمقراطية وتعددية.
والعالم شهد قديما وحديثا أشكالا من الأنظمة السياسية وعددا من الفلسفات السياسية، شرقية وغربية، وعربية وغير عربية، وظهرت دعوات إلى أنظمة مدعمة برؤى علمية وشرعية وإنسانية.
فالعالم الغربي ظهر بالإمبراطوريات وحكم الآلهة والديمقراطية والملكية المطلقة والملكية الدستورية والأنظمة الشيوعية الداعية إلى الحقيقة التاريخية وحكم البروليتاريا وأمثال ذلك.
والعالم الشرقي رأى أشكالا قريبة من الأنواع السابقة، ولكن الأنظمة الدينية والشرائع السماوية أضافت إلى الأنظمة العالمية بصمات جديدة، كالحكومات النبوية المستندة إلى الوحي، والتفرعات التي تفرعت عنها.
ورأينا فلسفات اليونان تختلف من فيلسوف إلى آخر، فنرى أفلاطون له رؤية سياسية للحكم، وأرسطو له رؤية أخرى، وسائر الفلاسفة لهم طرائقهم في أشكال الحكم الذي يرتضونه، وقد مرت معنا طريقة ليكرغ المخترع للديمقراطية وكيف كان شكل نظامه.
ورأينا فلاسفة الإسلام وعلماءه يضعون أشكالا للحكم الإسلامي أو للحكم في ظروف ينحرف فيها عن الإسلام الكامل مسايرة للواقع وإنقاذا لما يمكن إنقاذه.
وقد توزعت آراء الإسلاميين في ذلك، فالسنة لهم آراء ومذاهب، والشيعة لهم آراء ومذاهب، والمعتزلة وسائر الفرق الإسلامية كذلك.
وهناك أنواع من الفلسفات في كتب المشاهير من أمثال الغزالي والماوردي والشهرستاني وابن سينا على ضيق مذهبه في السياسة، وابن خلدون في مقدمته والفارابي في آراء أهل المدينة الفاضلة، ومحمد ابن طباطبا في (الفخري).
وللأدباء حكم وآثار في مسائل السياسة كابن المقفع والجاحظ وابن قتيبة والطرطوشي وابن حمدون وكثير غيرهم.
ما هو البديل القادم للديمقراطية؟ أو ماذا بعد الديمقراطية؟ جميع التوقعات مفتوحة، فهل يسقط العالم في مأزق جديد وانتكاسة جديدة تتحول فيها الأنظمة إلى نوع من الديكتاتوريات المبطنة أو الظاهرة؟ هل سيرجع عصر الإقطاعيات والاستعباد؟ قد يكون ذلك، وقد تكون طموحات الشعوب أقوى من جميع المؤامرات فتحقق بصبرها عدالة جديدة تفوق عدالة الديمقراطية المنقوصة.
من الممكن أن تتحول الشعوب الغربية على سبيل المثال إلى حاكم حقيقي، بحيث تمتنع عن طريقة التفويض المعروف، وتصبح عديمة الثقة بأي أحد فتضع نظامها بشكل جماعي وتراقب المنفذين، وبدل أن يحكم عدد من الأفراد والمنتخبين تقف الشعوب في الميادين والمجالس تقرر وتنفذ وتحاسب وتجمع رأيها على تعيين من تشاء وإسقاط من تشاء.
هل من الممكن أن نرى التكنولوجيا تقتسم الحكم مع البشر وتقلص دور الإنسان بحيث يكون الإنسان محكوما لها؟ ولا يملك سوى إدارة معلوماتها وتنفيذ أنظمتها؟ ولاسيما أن ظاهرة الحكومات الإلكترونية باتت واقعا؟هناك من يرى أن العالم ينطلق إلى حروب عالمية جديدة وتخلف حتمي، وعودة العالم إلى حكم الحي والقبيلة واستبداد الكبراء لكل مجموعة صغيرة من البشر.
وقد ظهرت آراء قديمة تدعو إلى ترك الناس يحكمون أنفسهم بأنفسهم وعدم الحاجة إلى من يقوم بأمورهم، وهذه الآراء التي أنقلها أو أتوقعها ليست طرفة عابرة، بل هي خيارات مفتوحة وتوقعات وإرادة.
في هذا العصر ما زالت شعوب تعتقد في أشخاص أنهم آلهة فيأتمرون بأمرهم ويقدسونهم على أنهم معبودون حقيقيون.
وفي الثقافة الإسلامية الغالبة عقيدة انتظار المخلص المنتظر، والأسواق مليئة بكتب المهدي وعلامات الساعة والتوقعات القادمة، وفي وسائل الإعلام يشيع هذا الرأي على شتى المذاهب، والإيمان بنزول عيسى عليه السلام عقيدة إسلامية وعقيدة مسيحية مع اختلاف في أصول هذه العقيدة، ومعظم رؤساء الغرب والعالم لهم عقائد في المخلصين، واليهودية ديانة تؤمن بخروج الملك اليهودي الذي يملك العالم، ومن نسميه نحن الدجال.
إنها عقائد يعتنقها قادة الديمقراطية في العالم، وإنه إيمان بالحكم الإلهي الثيوقراطي المطلق في الوقت الذي يزعمون فيه غير ذلك.
المفكرون الغربيون يتوقع كثير منهم أن هذا القرن مليء بالاحتمالات والمفاجآت وأن الديمقراطية مهددة بالزوال.
قال المفكر العالمي بريجينسكي «إن للتباين الجديد المحتمل في الحالة الإنسانية عواقب مهمة، ليس على الهيمنة الأمريكية وحسب، بل على الديمقراطية الأمريكية أيضا».
وهو نفس المعنى الذي ألمح إليه صاحبا كتاب فخ العولمة حيث قالا: «هكذا إذن يصبح الخضوع لحكم أسواق المال ضربة للديمقراطية».
ويكفي أن الكتاب صدر بعنوان «فخ العولمة الاعتداء على الديمقراطية» وهو من أوائل ما كتب عن العولمة في العقد الماضي.
ما بعد الديمقراطية
6 دقائق للقراءة

حجم الخط
