ابتكار المفردات في ذاكرة اللغة شيء طبيعي عندما يضغط الواقع بسخافة التصرفات (قاله أحد ضحايا الهياط).
طلب مني أحد الأصدقاء أن نخرج سوياً للعشاء في أحد المطاعم الجديدة، وكانت بالنسبة لي لحظة ضعف لأني مللت من البيت رغم أني ألقب أحيانا بين أصدقائي بالبيتوتي، لكن الجديد في اتصاله أنه أخبرني بأن زميله سيأتي معنا للمطعم وهو تورط به ولم يستطع تصريفه ..فأخبرته أنه لا مشكلة طبعاً ولكن وقبل أن يقفل الخط أخبرني بكلمة سمعتها لآلاف المرات ولكنني لم أواجهها يوماً وأتعرف على طبيعتها، قال: لكن الله يعينك تراه يحب الهياط.
لم اهتم للتحذير الخطير الذي أخبرني به صديقي وخرجت للمطعم ولم أعلم ماذا يخبئ لي القدر مع هذا الشخص.
تقابلنا في المطعم جميع الأصدقاء ومعنا الزميل المجهول ..سلمنا عليه وبدأنا الجلوس وتبادل أطراف الحديث وإذا بي ألاحظ أن هذا الشخص المجهول يقاطع أي موضوع ويقول حتى أنا حصلت معي ثم يعيد نفس القصة ولكن بجرعة أكبر من التفاخر والبطولة وبامتداد أطول في القصة.
لاحظت أن الوضع أصبح مملاً تحول الميكروفون فجأة لهذا الشخص وأصبح هو بطل الجلسة، بدأنا أنا وأصدقائي نمل من الكذب الواضح في قصصه ولكن الغريب أن الموضوع تحول بالنسبة لي لتجربة اجتماعية وبدأت أحلل الشخص هذا وأعتبر هذه الطلعة عبارة عن مختبر لكشف مفهوم الهياط.
الذي أتذكره من أصدقائي أنهم كانوا غاضبين لأن هذا الشخص وكما يقول المثل الحجازي: تبول في بركة ماء الورد التي عملها صديقي الذي أحضره.
ولكني رجعت للبيت وأخذت الموضوع على محمل الجد أكثر من اللازم!.
ما الذي يا ترى يدفع هذا الشخص وغيره للهياط ..هل هي عقدة نقص أو فراغ داخلي يضطر الإنسان من قوة ألمه أن يملأه بالكلام، أم هو انفصام في الشخصية بحيث يتحدث شخص آخر في لحظات الهياط، لأن درجة الوعي المغيب لا توصف، ألا يدرك هذا الشخص أن الناس أذكياء لدرجة كافية كي يدركوا كذبه ..أم أنه لا يلاحظ عدم الارتباط في كلامه وتفاهته ..أمر محير وغريب ولكن المهم الذي جعلني أكتب عنها وأتحدث بها إليكم هو إدراكي بأن قصتي هذه حصلت مع جزء كبير من مجتمعي وأن هذا المفهوم يؤرق الكثيرين الذين تورطوا بأصدقاء مثل هذا الشخص ..صدق الكاتب الكبير محمد الرطيان حين قال «ومجتمعنا مجتمع الهياط عن جدارة» ..تجاهلت الموضوع ومرت الأيام وإذا بكتاب يقع بين يدي اسمه (المتحذلقات) للكاتب الفرنسي العظيم موليير ..شدني الكتاب وبدأت أقرأ فيه وإذا بي أجد هذه المقدمة التي فتحت لي جراح الماضي مع هذا المهياط «واليوم نزف إلى القراء ترجمة المتحذلقات وفيها مثل الفتيات والفتيان الذين يغترون بما أوتوا من قشور، ويتشدقون بها ويثرثرون، ويجهلون أقدارهم الحقيقية فينزلقون إلى المهاوي والفشل جزاء غرورهم ويجري عليهم قول الحكيم: هالك امرؤ جهل قدر نفسه» صدمت بهذه المقدمة للمترجم وإذا بي أكمل الكتاب وأجد أن هذه المسرحية التي كتبها موليير هي عن الهياط الذي بدأ ينتشر كظاهرة جديدة في المجتمع الفرنسي في ذلك الوقت عام 1659 ميلادي.
يشرح المترجم التحذلق ويقول «تدل كلمة المتحذلقات على أصلها اللغوي الأوروبي الحقيقي وليس التهكمي هو (الغوالي والنفائس) وقصدوا بها فضيلات النساء المتأنقات في مظهرهن، المتكلفات إجادة أحاديثهن، المبالغات في ادعاء الآداب الحميدة، وممارسة الفنون الرفيعة».
يااه يا موليير كم أنت عظيم ..وكم أنت مسكين أن تعاني مثل ما نعاني عن الهياط ..لم أكن أدرك أن الهياط ظاهرة تاريخية هكذا وأن البشرية تعاني منها منذ القدم.
عرت هذه المسرحية «المولييرية» النفاق والتعلق بالمظاهر الخارجية التافهة ..بل واقترح موليير دواء للهياط وهو برأيه الدواء الوحيد ..هو أن لا تجامل (تسلك) المهايط بل تفضحه فوراً وتكشف كذبه للآخرين ولكن لكي لا يعود لفعلته مرة أخرى عليك أن تفضحه بفن وبطريقة تجعله لا ينسى ما جرى له وهذا فن لا يستطيعه إلا قليل من الناس وذكر موليير في مسرحيته كيف فعلها.
قراءة المسرحية مهم فهي عظيمة وجميلة بطريقة تجعلكم تضحكون على واقع الهياط اليوم.
وفي الأخير لا أظن أن ظاهرة الهياط ترجع إلى هذا التاريخ بل هي أقدم وأظن المهياط الأول الذي سجله التاريخ هو (فرعون) ..نعم فرعون مهياطي بامتياز ولكن هذا موضوع آخر وسأختم مقالتي بجملة قالها المترجم وهو يعاني في واقعه من الهياط «وبما أن الطبيعة البشرية واحدة، ونواميس الاجتماع ثابتة، ولما كان عصر موليير (عصر النهضة) مثل عصرنا الحالي (نهضة فلوس وليست فكرا !) ..من شأنه أن تتفشى فيه الطفرة وتنتشر قشور العلوم دون لبابها فتغري ظاهرة الغرور وحب الظهور، كان هناك توافق بين زماننا وزمانه في تشخيص الداء ووصف الدواء».