تحتل المنظومة القضائية أهمية قصوى في بناء الدول الحديثة، فوجود سلطة قضائية مستقلة، يعني وجود ضمانة قوية لسلامة تطبيق القانون بحيادية وموضوعية في جميع المنازعات، سواء كانت تلك المنازعات بين الأفراد أو كانت بين الأفراد وبعض أجهزة الدولة ومؤسساتها، ويعني أيضا ضمانة قوية لاحترام حقوق الإنسان، فالقضاء هو الأداة التي بواسطتها يتم تحقيق العدل الذي هو أساس الحكم، والقضاء كل لا يتجزأ، والمنظومة القضائية منظومة واحدة متكاملة، ولا يمكن أن ينهض جانب منها دون الآخر، بل لا بد أن تعالج جميعها بخطة تطويرية واحدة تضمن لها أن تتطور جميعاً بصورة مطردة ومتناسقة لا سيما وبلادنا تأخذ بنظام القضاء المزدوج .
وقد شهد يوم الثلاثاء الماضي حدثا كبيرا في مسيرة القضاء السعودي، تمثل في تدشين معالي وزير العدل لعدد من المحاكم المتخصصة في عدد من مناطق ومدن المملكة، وهذه الخطوة تأتي في إطار تطوير المنظومة القضائية في المملكة العربية السعودية وفقا لما تضمنه مشروع خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز حفظه الله لتطوير القضاء، وسيكون لها انعكاسات إيجابية كثيرة على أكثر من صعيد، حيث ستسهم من جهة في تخفيف الضغط عن المحاكم العامة من خلال إحالة القضايا التي تخرج عن ولاية المحاكم العامة إلى تلك المحاكم، وذلك سيسهم في قصر المدد الممنوحة للمتخاصمين، وبالتالي تقليل المدد اللازمة للفصل في الدعاوى المرفوعة أمام المحاكم.
ومن جهة أخرى فإن تخصيص القضاة لنوع معين من القضاء سيكسبهم خبرة وفاعلية أكبر في فهم جوانب القضية والحكم فيها.
وغني عن القول أن هذه الخطوة لن يكتمل نجاحها إلا بوجود كوادر متخصصة تسهم بفعالية في تحقيق الهدف المتوخى من وجود هذه المحاكم، فعلى سبيل المثال فإن محاكم الأحوال الشخصية والتي سيؤول إليها ما يقارب (60 %) من القضايا المعروضة على المحاكم العالمة، تحتاج كما هو وارد في خطة تطوير القضاء، إلى إدارة متخصصة في الخدمة الاجتماعية، تسهم مع مكاتب الصلح في هذه المحاكم في إيجاد الحلول اللازمة لكثير من القضايا الأسرية، وهذا الدور المهم والحيوي لن يتأتى بدون وجود كادر مؤهل تأهيلا علميا كافيا، ولديه من الخبرة والمعرفة ما يمكنه من القيام بدوره خير قيام، وهنا تبرز مسؤولية الجهات الحكومية الأخرى، كوزارة الخدمة المدنية وغيرها من الوزارات ذات العلاقة من حيث إيجاد الوظائف اللازمة لهذه الإدارات وتجهيزها بما يسهم في تحقيق الهدف من وجودها.
وخلاصة القول أننا نأمل في أن يكتب لهذه الخطوة النجاح وأن يوفق الله القائمين عليها إلى تحقيق الهدف من وجودها، والعمل على أن تكون بلادنا في موقعها الذي تستحقه بين الأمم.