لا يمكن أن تنجح تلك المبادرات والخطط الاستراتيجية المصاغة بشكل جيد في الهيئة العامة للسياحة والآثار ما لم يتبن غالب من يعمل فيها مبدأ صناعة السياحة، ثم بعد ذلك تكون هناك ذراع ذات جودة عالية وثقافة متميزة في العمل تهتم بالترويج كأداة مهمة في تلقي النتائج بشكل يمكن أن نرضى عنه، فحين يتجول أحدنا في أية مدينة خارج الدولة سواء كانت عربية أو غير عربية تنحشر الحسرة غصةً في مزاج ترويحه عن نفسه في السفر بأن غالب ما يراه ويشاهده ويعيشه هناك من الممكن بل ومن السائغ والمناسب وجوده في كل مناطق المملكة، بل هي أولى بذلك حيث الإمكانيات والدعم والمال، فضلاً عن ثراء تراب مملكتنا الغالية بما يستدعي الزيارة والمشاهدة والاطلاع، لكن الأمر الهام في كل هذا المضمار أن يستطيع كل من يخدم في مسار السياحة الفصل أداءً وممارسةً بين ما سموه (بالسياحة الدينية) ومفهوم السياحة العام الذي يؤمن به كل العالم اليوم، وهنا لعلي أقول بأن الجهد لو انصبّ على التأسيس لمجتمع يعرف كيف يكون سائحاً داخل بلده وخارجه سيُفلحُ محكُّ النجاح، ثم إنني لو كنت مسؤولاً في ميدان السياحة ببلدي، لتعاونت بكل ما أملك مع شباب وشابات الوطن في تقديم برنامج واقعي عملي لنموذج من السياحة بتنظيم رحلات لمجموعات في شتى مناطق المملكة تجمع بين طبيعة المجتمع وعصرية وحضارة التعاطي مع السياحة في الخارج، ولشجعت كل العاملين في هذا المجال بشرط أن يكونوا مالكين لذات الثقافة بالإضافة إلى منظورهم التجاري، ولا يمكن أن أغفل هنا بأن سبب اتجاه غالب المجتمع للسياحة الفردية داخل المملكة أو على المستوى العائلي أو باجتهادات شباب شخصية دونما لجوء لشركات ومؤسسات السياحة الهلامية في البلد كرّس ظاهرة النقد المحبط والعزوف المحزن عن سياحة داخلية لو اقتنع مسؤولوها أنهم يساعدون في بناء جيل صحي عملي لكانت رافد اقتصاد وطني ضخم المادة والمعنى، ويسكنُني كثيرٌ من التعجّب كيف استطاعت دول مجاورة لنا استخدام أبسط الإمكانيات والمقوّمات لزرع قيمة سياحية بجانب كل شجرة في بلدهم، وبناء منظومة لصناعة السياحة بشتى غاياتها بجانب كل مبنى في أرضهم دونما اختلاف بيننا وبينهم في المناخ والتضاريس؟ ففي (النّماص) مثلاً كل ما يستحق محمية طبيعية تجمع بين حماية الجمال وتفعيل نشاط المجتمع المحلي لتقديم الخدمة السياحية الفريدة، وفي (الأحساء) خصوبة مجتمع وأرض لتكون السياحة بطعم الأصالة ورونق التقدّم الحضاري، ولا يمكن ألاّ تكون في (الحدود الشمالية) بيئة سانحة للاستفادة ممّا يتقنه أهل هذه المنطقة في مجال الضيافة سجيّة وطبعاً لتتحول إلى بقعة سياحية خدمياً ونمطيّاً، فحريّ بنا أن نسرع في هذا الوقت المناسب لإنشاء (صندوق للتنمية السياحية للمجتمع المحلّي) على غرار كل صناديق الوطن الداعمة ليفتح لشباب بلدنا السائح في كل العالم طريق نقل معرفته ليفيد ويستفيد في تقسيم جغرافي سيظهر لنا بعد وقت صناعة سياحة عالية الجودة تستحق المغامرة..
.
المجتمع المحلّي وصناعة السياحة
محمد أحمد بابا3 دقائق للقراءة

حجم الخط
