مما لا شك فيه أن العقل أحياناً يكون خصيم نفسه في الصراع الفكري الذي يحثه على الاستطلاع والبحث فتارة يؤيد ولا يؤيد تارة أخرى، ومن ثم فإن فهم الشيء ينجم عن البراهين المنطقية لا سيما في المسائل الفلسفية، فالحقيقة هي إيمان واعتقاد وليس حدسا ووهما وبالتالي فإن اليقين يصارع الشك بالأدلة التي يقبلها العقل، وهنا نجد أن مختلف المعتقدات والديانات كبوذا والهندوس والزرادشتية واليهودية والمسيحية بها صراع بين الحق والباطل والذي يفصل بينهما إثبات الشيء أو البحث عن الدليل من زاوية بعيدة عن المعتقد نفسه ومجردة من الانتماء وقريبة من المنطقية أكثر، عندما كنت في معرض الكتاب الدولي بالرياض لفت انتباهي كتاب يحمل عنوان أقوم قيلا للكاتب سلطان الموسى في جناح الفكر العربي، الكتاب الذي كان الأكثر مبيعاً في المعرض هذه السنة حيث نفدت جميع النسخ، أخذت أتصفحه ووجدت أنه يحمل بين طياته فلسفة عذبة وأن طابعه يتحدث عن الأديان بمختلف التوجهات الفكرية والعقدية، فهو يأخذك إلى أسئلة عدة حول الحقيقة والموجودات لا سيما وجود الله عز وجل ويرد على بعض الاعتقادات المخالفة للدين الإسلامي وكأنما يقول لك فكر بعقلك لا بعاطفتك، ويدعوك إلى أن تكون خصيم عقلك إلى حيث البراهين المنطقية والأدلة وهو يستعرض بعض الأفكار والعقائد والانتماءات خلال زيارات عديدة استطلاعية كالفاتيكان وبعض المعابد ولقاءات مختلفة بين ملحد ومستبصر ومسيحي ولم يكن ذلك عصياً عليه، ولا أخفي السعادة التي انتابتني تجاه ما لمسته من أخلاق عالية واحترام للرأي في الحوار، وما شدني لقراءته هي المقدمة التي تنبئك عن ماهية المحتوى خصوصاً الأسئلة القرآنية التي لم يجبه عليها أصدقاؤه حينما سألهم إياها، مثل معنى تعالى جدك كان ذلك الأسلوب المشوق لقراءته.
المدهش في الأمر أن الكاتب أجرى مقابلات وتحدث وبحث في مختلف الأديان والاعتقادات مع احترام آراء الآخرين وتوجهاتهم وبالتالي تجد في كتابه أبجديات كل ديانة ببساطة متناهية.
والجميل كذلك هو أنه يسترسل معك البحوث بدماثة أخلاقه في الحوار مع من يختلف معهم سواء من الملحدين أو اختلاف الديانة لا بالسب والشتم والعبارات السوقية، فهو يستعرض لنا في الفصل الأول حقيقة وجود الإله وهو الذي يبحث الإنسان عنه بفطرته، ثم قراءة في شخصية إبليس وقد أعجبني هذا الفصل الذي يفند أفكار عبدة الشيطان، ثم زميلتي المسيحية والذي يشرح لزميلته حقوق المرأة في الإسلام وكيف كان القرآن الكريم ينص على المحافظة عليها وحمايتها وحريتها، ثم لماذا الله هو الحق من بين الآلهة وهنا يستعرض اعتقادات الديانات السماوية ويرد عليها بأسلوب سلس وراق، ثم بين غرائب القرآن وعجائبه، ثم رحلتي إلى الفاتيكان ثم يوم مع صالح وهو المستبصر الذي يحكي قصة استبصاره، ثم أم محجن، ثم ونفس وما سواها، ثم حقائق وظواهر طبيعية وأخرى خارقة، ثم البقرة والعزير والتابوت، وتلك كانت عناوين فصول الكتاب.
وأنا أرى بأن هذا النتاج يستحق ترجمته إلى لغات مختلفة، وأتمنى من إحدى دور الترجمة تبني ترجمته وترويجه في وقت كثر فيه الملحدون وعبدة إبليس وما إلى ذلك، وهذا نموذج راق لمن أراد أن يتعلم أبجديات الحوار في الأديان فهي تكون بالبحث والإتيان بالبراهين لا بالصوت والقوة.