دأب كثير من الكتاب على تحميل الخطاب الشرعي كثيراً من الأخطاء المجتمعية، وأصبحت جملة «ضرورة نقد الخطاب الشرعي» مكرورة من كثرة طرقها على الأسماع وتداولها في المنتديات، ولا شك أن مسألة مثل هذه جديرة بالوقوف أمامها كثيراً، فثمة ظواهر تستدعي التأمل في أسباب ظهورها ونشوئها.
خلال هذه السنوات الماضية تكررت هذه الجملة في مناسبات متعددة ومنها مثلاً بعد أحداث 11 سبتمبر قالوا هذه مسؤولية وجناية الخطاب الشرعي ولا بد أن يتغير، وعندما ظهر الإلحاد قالوا إن الخطاب الشرعي مقصر ومسؤول عن هذه الظاهرة، وعندما ظهر الغلاة معتنقو التكفير قيل إن الخطاب الشرعي مسؤول عن ظهوره، وهناك حوادث كثيرة لو تأملها الباحث لوجد أنه أمام سلسلة من الاتهامات التي لا تكاد تنتهي ومقصدها الرئيس تشويه الخطاب الديني وصرف الناس عن أهميته وجعل مصادر التلقي محصورة في آراء بشرية وأرضية معزولة عن الشريعة.
لا بد أن نوقن ونسلم في أن تصرّف الأفراد وجنايتهم يجب ألا تتحملها الشريعة، فدعوى الخوارج معتمدة على نصوص ولكن فهم الخوارج بعيد عن الشريعة، فيجب أن تبقى الشريعة منزهة ومحترمة عن عبث هؤلاء، وهكذا دعاوى الباطنية ودعاوى الرافضة ودعاوى المعتزلة وغيرهم، فليس كل من استدل ببعض النصوص الشرعية أصاب، ولا يجوز أن نسمح للجهلة باتهام الشريعة وخطابها عبر نشرهم نصوصا شرعية مبتورة أو لم تفهم أو قطعيات من الدين يريدون إزالتها أو إبعادها عن مناحي الحياة.
وإذا تأملنا في قصص وحوادث مذكورة في القرآن والسنة وجدنا أن الخطاب الشرعي كان كاملاً ومثالياً وصدر من المصطفين الأخيار ولكنّ النتيجة كانت غير ما نريد، فمثلاً بذل نوح عليه السلام طاقته وغايته في تبليغ الدعوة ولكن ولده خرج عن هذا الإطار ولحق بركب الهالكين المعارضين للإسلام، وهكذا زوجة لوط وزوجة نوح عليهما السلام كانتا من الكافرين، فهل يعقل أن يقول أحدٌ بعد ذلك إن الخطاب الشرعي كان قاصراً أو أن الأنبياء عليهم السلام لم يحسنوا عرض الشريعة للناس؟ معاذ الله من ذلك.
وإذا تتبعنا ظهور نبتة النفاق وجدنا أنها ظهرت وكثرت في العهد المدني فهل يقول أحدٌ إن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) مسؤول عن ذلك والعياذ بالله؟!، ولو تقدمنا قليلاً وجدنا أن بداية ظهور الخوارج كانت في عهد الصحابة وهكذا الشيعة كانوا في عهد الصحابة أيضاً فهل كان الصحابة مقصرين في تبليغ الدين؟! معاذ الله من مثل هذه الأقوال ورضي الله عن صحابة نبينا الكريم جميعاً.
عندما نحاول تفسير بعض الظواهر المجتمعية والأخطاء التي تنسب للمتدينين علينا ألا نلقي التبعة ابتداء على علماء الشريعة أو على نصوص الشريعة، فالشريعة لم تأت إلا بما فيه مصالح البشر وسعادتهم، وأما أخطاء الناس فيجب أن يعامل كل خطأ بميزان العدل والحق، ولا بد للناظر أن يراعي الأسباب النفسية والسلوكية والعقلية ودوافع النفس البشرية التي تنتاب الناس فتصرفهم عن العقل والرشد وتجعلهم يرتكبون حماقات من الأفعال المنكرة أو يقولون بأقوال مستقبحة أو يفسرون نصوص الشريعة بطرق غير مقبولة.
وينبغي لنا ونحن نتحدث عن الخطاب الشرعي ألا ننسى أن هناك أقوالا في صورة فتاوى تصدر من بعض المنتسبين للشريعة تساعد على ظهور بعض الأخطاء، وهذه الأقوال يجب أن تحاكم بصورة فردية بدون تعميم الحكم على الجميع، فتجمع المسائل التي أخطأ أصحابها فيها ثم تعرض على أهل العلم ويردون عليها بدون تحميل الشريعة بشاعة النتائج، وقد حصل في عهد النبي صلى الله عليه وسلم مثال لذلك في حديث حسنه عدد من العلماء وذلك عندما كان الصحابة الكرام في سفر فأصاب أحدهم جرح في رأسه فاحتلم فسأل عن حكم الغسل وهل يجوز له التيمم فأفتاه بعضهم بأن عليه الغسل فاغتسل ومات نتيجة هذه الفتوى الخاطئة، فقال رسول الله قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟!.
فهذه الفتوى الخاطئة إن صح سندها لم تجعل ذريعة للطعن والتشهير وإنما جعلت خطأ فردياً يتحمل قائلها خطأها وحده، وهذه هي الحكمة في النقد التي ننشدها.