«رزق» هو الابن الأكبر لمرزوق.
شخصيته جذابة، ذكي، نبيل الطباع، طويل وعريض المنكبين ولكنه يميل إلى السمنة.
متفائل ويرغب في القيام بكثير مما كان يحلم به، وهذا الكثير الذي يحلم به هو أيضا ما يحلم به أقرانه من الشباب في بلدتهم الصغيرة الهادئة المسالمة في كل الأحوال، والتي تشبه مرزوق أو يشبهها مرزوق في ذلك، ما علينا من يشبه من.
رزق أخبر والده وبقية أسرته الصغيرة بأنه يرغب في الالتحاق بتلك الكلية التي تختص بالدفاع عن بلدتهم.
وافقت أسرته وشجعته وساعده كل فرد فيها بما يستطيع من دعم مادي أو معنوي وتهيئة أجواء مناسبة في المنزل للدراسة والتركيز.
اجتهد رزق وحرم نفسه من الكثير وصبر إلا عن الطعام - نقطة ضعفه الوحيدة.
وكلما مر الوقت شعر بتفاؤله يزداد، واقترابه من تحقيق هدفه المشروع يزداد أيضا.
وكثيرا ما كان يتصور كم سيكون عازما على الكد والجدية أثناء وجوده في تلك الكلية، وأنه لن يتخاذل في أي شيء يخدم به بلدته الصغيرة التي يحب.
ولما انتهت المرحلة التي تسبق الالتحاق بتلك الكلية، ابتهج كل من في البيت وعم البيت جو من الفرح وكأن رزق قد قبل في تلك الكلية بالفعل وأن الإجراءات ستكون تحصيل حاصل.
خرج رزق في ذلك الصباح البارد والغائم نوعا ما، ليتوجه إلى الكلية ويبدأ إجراء التقديم وقبَّل رأس والده ووالدته وأيديهما، واستيقظ إخوته بعد خروجه بقليل ولحقوا بسيارته القديمة مودعين ملوحين بأيديهم الصغيرة.
تقدم رزق بطلب الالتحاق للكلية وقوبل بترحيب جيد جعل نفسه تطمئن نوعا ما، فهو ما زال يتخوف من ألا يقبل بسهولة ودون واسطة كما جرت العادة هناك في بلدتهم (الصغيرة الهادئة المسالمة).
طلبت منه إجراءات معينة، قام بها وقلبه يخفق سريعا مبتهجا بخوف وقلق لذيذين، ثم قيل له إنه سيستلم الرد سريعا.
عاد رزق وانتظر الرد هو وأسرته الطيبة (المسالمة مثل بلدتهم) - لا تسألوني لم أكرر هذه العبارات! فقط اقبلوها كما هي - ولم يطل انتظار رزق واستلم النتيجة بالقبول في تلك الكلية الحلم.
حمد والداه الله وكذا رزق الذي نشأ على حسن الظن والأدب مع الله.
توجه للكلية حسب طلبهم ليجدهم يقولون له: إن هناك دورة ستبدأ بعد أسبوعين ويريدون منه الالتحاق بها ولكن هناك عقبة واحدة، يجب أن يتخلص من تسعة كيلوجرامات من وزنه ليلتحق بالدورة.
لا يمتلك رزق شيئا في حياته البسيطة هو وأسرته (المسالمة مسالمة تلك البلدة) – آه، نسيت، والبسيطة بساطة تلك البلدة - لا يمتلك مثل العزيمة والتفاؤل.
فأخبرهم أنه سينقص التسعة كيلوجرامات في الأسبوعين المحددين له ويعود للالتحاق بالدورة بعد أن تم قبوله.
وبالفعل تخلص من تلك الكيلوجرامات الزائدة وعاد إلى الكلية وفي حقائبه قليل من الملابس والأغراض الشخصية، كثير من الأمل والعزم ودعوات من قلبي أم وأب نقيين (نقاء تلك البلدة المسالمة البسيطة)- لا تغضبوا مني سأنهي الحكاية سريعاً.
ولم يطل غياب رزق عن المنزل فقد عاد في نفس اليوم، استقبله مرزوق عند باب المنزل مستغربا عودته السريعة! نظر إلى عينيه اللتين لم تكفا يوما عن اللمعان والتوهج أحيانا، لم يجد ذلك فيهما عندما عاد رزق! سأله عن الذي حدث، فأخبره رزق بصوت لكهل في الثانية والعشرين أنهم أخبروه أنه لم يعد مقبولا في الكلية بدون إبداء أسباب! هناك آخر حل مكانه وكفى! وعليه أن يعود من حيث أتى، إلى منزله البسيط بساطة بلدته المسالمة.
هل تعرفون ما السبب في ضياع حلم رزق؟ هل تستطيعون التخمين؟ هل تريدون أن تخبروا أحدا ما بما حدث أم ستسكتون ونسكت ويسكت رزق ويسكت مرزوق وتستمر الحياة، رزق ومرزوق وقسم ومقسوم وتلك البلدة الهادئة المسالمة البسيطة؟!
مرزوق وابنه و...الكلية
منى سالم باخشوين3 دقائق للقراءة

حجم الخط
