عرف المعمار المكي خلال العصر المملوكي الرباع، وهو مبنى مستقل مكون من أربعة أو خمسة أدوار، بمدخل وسلم واحد، يتوسطه فناء، ومن الجهة المطلة على الشارع حوانيت ومخازن، تعلوها طباق سكنية ذات مداخل مستقلة، وكل مسكن صغير له مرافقه، تستأجره إحدى العائلات الفقيرة، ولا سيما الصناع وأرباب الحرف، بأجر شهري زهيد، ويسمى بالمصطلح المعماري الرباع، ومفرده ربع، إلا أنه وبعد نهاية العصر المملوكي اختلف تصميمه تماما عن الوصف السابق، فخلال العصر العثماني كان عبارة عن مبنى ضخم، ومجموعة من الدور الصغيرة المتلاصقة كانت تسمى بالعزل، يدخل إليها من مدخل واحد أو أكثر، وتشترك في ممر صغير يؤدي إليها جميعا، وفي الغالب يكون تحت هذه الدور محلات تجارية.
وإذا كان للربع واجهة مطلة على شارع تجاري أو مخازن، يستفاد من المساحة التي تغطي الممر أو الدهليز الخاص بالربع في زيادة مساحة العزل التي تكون فوقه، وكمثال على ذلك نجد في إحدى الوثائق العائدة لبعض مباني العصر العثماني وهي المباني الخاصة بربع باب السلام وصفا جيدا لتصميمه حيث جاء فيها «الخمس العزل الكائنة بباب السلام الصغير، منها أربع عزل كانت قبل الحريق الذي حصل بالباب قديما، ثم هدمت وأنشئت أربع، ثلاث منها واجهتها على ساحة باب السلام الداخلية، وواحدة لها واجهة يمانية «جنوبية» تطل على ممر باب السلام المذكور».
وتشتمل الربع على دهليز كبير، والشهير سابقا بالخان، له بترتان عن جانبه، وكان بباطنه قبل الحريق أربعة مخازن، وصارت بعد تجديد المباني ستة، ومخزن أيضا أسفل دار سكنى السيد علوي مالكي، ويوجد بالدهليز الكبير بابا العزلتين المطلتين على الرحبة، وثمة جلاء فاصل بينهما، ويطل باب العزلة على خط المسعى، وآخر على الرحبة، وبينهما ممر مزبور، والرابعة بابها من ممر باب السلام، والخامسة واقعة بالربع المشار إليه وفيه بابها، ويحد ذلك كله شرقا بخط المسعى وعليه باب الدهليز الكبير.
وواجهتها البترتان اللتان على جانبي باب الدهليز، وغربا رحبة باب السلام الداخلية، وعليها واجهة ثلاث عزل من الخمس المذكورة، ومزل الربع للعزلة الخامسة، وعليها بابها وطيق لها، وشمالا الدار العائدة للحجاج القازان، ونلاحظ من خلال نص الوثيقة ما تحتويه الرباع من ممرات ودهاليز وبتر وعزل ومخازن وخانات.
ويعزو الشيخ أحمد الغزاوي في بعض مقالاته التي نشرت في مجلة المنهل، نشأة الرباع في مكة المكرمة للاضطراب الأمني الذي كانت تعيشه مكة المكرمة في الأزمان الماضية، ورغبة الناس في الاجتماع والتكتل لذلك، بالإضافة إلى رغبة الناس في القرب من الحرم.
وقد يكون السببان اللذان أوردهما الغزاوي صحيحين، لكنهما لا يمثلان الواقع تماما، فالخوف من الغارات المتتالية والاضطراب الأمني لا يؤخذ به، فالرباع لا يشكل أي نوع من الحماية لساكنيه، فهو ليس قلعة أو حصنا.
ولعل السبب الحقيقي في نشأة الرباع هو تحول المباني الضخمة من أوقاف السلاطين، والتي بنيت على أن تكون أربطة أو مدارس، أو بيمارستانات تحف بالحرم وتحيط به، إلى مبان سكنية خاصة، إلا أن كبر حجم هذه المباني وتصميمها، كان عائقا أمام أن تسكنها أسرة واحدة، أو تستفيد منها، فكان التقسيم إلى عزل صغيرة هو الحل، ويستفاد من المخازن الموجودة في أسفل هذه المباني، لعمل مداخل وسلالم متعددة، بحيث تستقل كل أسرة بمدخل خاص بها.
وكمثال على ذلك نجد ربع باب السلام، والذي تحول من رباط أو مدرسة أنشأها السلطان قايتباي لمجموعة من العزل، سبق وصفها.
وذات القول ينطبق على ربع الفرن، وهو جزء من مباني السلطان قلاوون الخيرية، ثم تحول إلى عزل سكنية كما تشير إلى ذلك بعض الوثائق الخاصة بالأوقاف السلطانية، والأمثلة على ذلك كثيرة.
وحين نتتبع نشأة الرباع في مكة نجدها متماثلة، أي أن هذه المباني لم تبن كرباع، إنما تحولت تدريجيا إلى رباع لكن بمواصفات وتصاميم فرضتها نوعية المباني التي كانت موجودة وقائمة أصلا، ومن الرباع الشهيرة في نهاية العصر العثماني ربع الفرن، باب السلام، مغازل، الحريرية، الصيارفة، الدشيشة، والفرن.
الرباع بناء معماري تميزت به مكة في العصر المملوكي
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
