وصف الرئيس التركي المنتهية ولايته عبدالله غل الأحاديث التي تردد حول وجود توتر وتباعد يتفاعل بعيدا عن الأعين بينه ورجب طيب إردوغان بأنها محاولة للاصطياد في الماء العكر من قبل بعض وسائل الإعلام وأوساط المعارضة لا أكثر.
لكن كلام السيدة الأولى خير النساء غل الذي قالته وهي تشارك في حفل وداع أقيم للعشرات من الإعلاميين الأتراك في قصر “شنقايا” والذي نقله الإعلامي التركي المخضرم مراد يتكين يعكس حقيقة أخرى.
عود الثقاب يقترب من فتيل البارود المعرض للانفجار بين إخوة الأمس وشركاء العمل السياسي منذ أكثر من 40 عاما كما يقول يتكين.
خير النساء غل المعروف عنها عدم دخولها في النقاشات السياسية خصوصا بحضور زوجها، لم تتمالك أعصابها هذه المرة، وما إن انتهى غل من الرد على أسئلة الإعلاميين حتى دخلت على الخط تهدد وتتوعد وتحذر “نحن نمر في ظروف تشبه ورقة آلتورنسول.
نشاهد ونقرأ كل ما قيل وكتب حولنا، الرئيس غل يتجنب الرد بسبب شخصيته وموقعه.
أنا أيضا لا أتكلم لكن هذا لا يعني أنني سأصمت إلى الأبد.
الظروف التي نمر بها اليوم أصعب من ظروف الضغط علينا لرفع الحجاب التي عانينا منها في 28 شباط 1997.
الانتفاضة الحقيقية أنا التي سأبدؤها على ما يبدو”.
مقربون من غل يقولون إن أسرته غاضبة لأن إردوغان عمل على استبعادها ما إن أعلن الرئيس غل عن رغبته في العودة إلى صفوف حزبه وممارسة العمل السياسي حيث سارع إردوغان لقطع الطريق على هذه الرغبة من خلال الإعلان عن موعد المؤتمر العام لحزب العدالة والتنمية قبل يوم واحد من انتهاء مدة ولاية غل ثم تسهيل تسريب اسم أحمد داود أوغلو كمرشح أوفر حظا ليقود الحزب والحكومة بعد انتقاله إلى قصر الرئاسة.
مئوية التأسيس
داود أوغلو في موقع القيادة، والخلاف الذي ظهر إلى السطح سيعنيه أكثر من غيره طالما أن المؤشرات كلها تلتقي عند اختياره كرئيس جديد للوزراء بعد أن رشحته الهيئة التنفيذية للحزب لهذا المنصب وهو القادم من خارج الحزب ورغم وجود العشرات ممن هم أقدم منه في الخدمة والعمل الحزبي الذين سيتربصون بانتظار الأخطاء والمطبات.
غل يقول إنه هو الذي طرح اسم داود أوغلو للعمل إلى جانبه في الحكومة وأقنعه بذلك عندما كان أكاديميا في جامعة إسطنبول وإنه يرحب بتسلم داود أوغلو لموقع القيادة اليوم لكن المقربين إلى العدالة والتنمية يقولون إن غل بطرحه اسم داود أوغلو قبل أن يناقش ويعتمد من قبل القيادة يهدف لقطع الطريق عليه من خلال تفجير نقاشات حزبية أولا وتصوير الحزب وكأنه تحت سيطرة شخص واحد هو إردوغان يتحرك كيفما يشاء دون انتظار قرار المؤتمر العام للحزب الذي يتضمن مئات الآلاف من المندوبين الذين سيرفعون أيديهم قبولا لما يقوله ويريده إردوغان فقط.
إردوغان وضع الخطوط العامة لمواصفات المرشح الذي يستطيع الوصول لمنصب رئاسة الوزراء من خلال تحديد بعض المعايير الواجب توفرها في الشخص المطلوب وداود أوغلو كان الأوفر حظا في جمع كل هذه المميزات.
المطلوب منه قبل كل شيء هو مواصلة ما بدأه إردوغان في الداخل والخارج وأن يكون قادرا على حل ملف القضية الكردية وحسم مسألة الكيان الموازي وأن تكون قوة تأثيره كافية لقيادة الحزب إبان الانتخابات البرلمانية في الصيف المقبل، إردوغان الذي حمل حزبه نحو الفوز في عشرة انتخابات حتى الآن بين 2002 و2014 يريد أن يبقى على رأس السلطة حتى 2023 يقود احتفالات مرور مئة عام على تأسيس الجمهوريّة التركيّة وربما لذلك اختار داود أوغلو لتسلم هذه المهمة.
حيرة المنتظرين
من هو داود أوغلو الذي دخل المعترك السياسي ضيفا كما قال أيام قبول التكليف لكنه تدرج بسرعة البرق وصعد سلم القيادة تاركا العشرات من المنتظرين في الطابور يتأملون المشهد بحيرة واستغراب وبعض الغيرة أيضا.
كيف ولماذا داود أوغلو رغم كل الانتقادات الموجهة له في الداخل والخارج بسبب تراجع السياسة الخارجية التركية في العامين الأخيرين؟العدالة والتنمية وكما تقول الإعلامية أصلي ايدن تاش باش لا يرى المشهد كما يراه الكثير من المحللين السياسيين الأتراك والأجانب بل على العكس من ذلك تماما هم يرون أن ما يوصف بالعزلة التركية الإقليمية تعود أسبابه الحقيقية إلى الدول المجاورة لتركيا والمواقف الجديدة التي تبنتها حيال أنقرة أو نتيجة سياسات غربية لبعض العواصم التي تستهدف الصعود التركي الإقليمي ومحاولة محاصرته وتضييق الخناق عليه تماما كما تفعل ألمانيا اليوم في قضية تبرير التجسس على تركيا ومنذ 5 سنوات.
الإعلامي عبدالقادر سلفي يقول مدافعا عن سياسات داود أوغلو إن أنقرة هي التي تمسكت بمواقفها الإقليمية التي تركت فيها لوحدها.
الكثير من العواصم التي ترفع شعار الحريات والديموقراطية تجاهلت ما تقوم به إسرائيل في المنطقة وسياساتها المتصلبة حيال القضية الفلسطينية ورفض الحوار مع حماس أو الاقتراب منها كما فعلت تركيا في 2006 عندما استقبلت خالد مشعل في أنقرة، كما أن المعايير المزدوجة للغرب في التعامل مع تطورات الأزمة السورية وعدم اتخاذ الموقف الواضح الداعم للمعارضة هناك على عكس ما قاله وفعله داود أوغلو منذ البداية هي التي فتحت الطريق أمامه اليوم للوصول إلى موقع القيادة.
رؤية ثاقبة
داود أوغلو أبدى كفاءة في قراءة الموقف حين كان أكاديميا يدرس مادة العلاقات الدولية في جامعة إسطنبول كما أظهر شجاعة في اتخاذ القرارات الحرجة والصعبة منذ بدأ عمله إلى جانب إردوغان في 2003 كمستشار له كما يقول الكاتب التركي اردان زنتورك، هو فعل ذلك من خلال توقعه الباكر لسقوط الإمبراطورية السوفياتية ولولادة روسيا الجديدة ولانفتاح الأبواب أمام تركيا باتجاه مناطق آسيا الوسطى والبلقان والقوقاز وضرورة إعداد استراتيجيات عاجلة لملء الفراغ الذي سيظهر للعلن.
كما أبدى تصلبا في مواقفه حيال ملفات إقليمية وعربية كثيرة أغضبت الحلفاء والشركاء لتركيا ومنها طرح سياسة تركية جديدة حيال التعامل مع القضية الفلسطينية والموقف من منظمة حماس والاعتداءات الإسرائيلية على غزة وجنوب لبنان وقاد ملفات الوساطة بين إيران والغرب في الملف النووي الإيراني لسنوات.
كما أن أحمد داود أوغلو الذي تدرج سريعا في المناصب ليصبح وزيرا للخارجية ونائبا في البرلمان لم يصل إلى هذه الدرجات بسبب خلفيته الفكرية والعقائدية في العدالة والتنمية لكنه وصل إليها بسبب ما يحمله من تجربة وخبرة حصل عليها في العقد الأخير من خلال تواجده إلى جانب غل وإردوغان خلال اتخاذ القرارات الصعبة داخليا وخارجيا كما يقول الكاتب في جريدة “ستار” زنتورك.
مؤهلات داود أوغلو تجعله أحد أفضل الأسماء في حزب العدالة والتنمية المرشحة لرئاسة الوزراء.
من هو أوغلو
هو ابن مدينة قونيا الأناضولية، ولد في 1959 ونشأ في جو عائلي محافظ، درس العلوم السياسية في جامعة بوغاز إيشي 1984 ثم أكمل تحصيله العالي في العلاقات الدولية.
عمل في أكثر من جامعة داخل تركيا وخارجها إلى أن استدعاه غل وإردوغان للإشراف على مهام التخطيط والمشاركة في عملية إطلاق سياسة خارجية جديدة للبلاد.
حصل على لقب سفير من خارج السلك لكنه سرعان ما تحول إلى مهندس السياسة الخارجية التركية.
مؤلفه الضخم تحت عنوان “العمق الاستراتيجي” هو الذي فتح الأبواب على وسعها أمامه وشعاره المرفوع كان تنشيط السياسة الخارجية التركية، لتسترد ما فقدته من نفوذ وقوة في العقود الأخيرة.
قاد عمليات الانفتاح التركي باتجاه دول المنطقة وتحديدا دول الجوار السوري والعراقي واللبناني والأردني.
حيث كان قبل الأزمة السورية يعمل على إنجاز مشروع التكتل الرباعي بين هذه الدول.
وحرك ملفات الوساطة بين أكثر من طرف إقليمي وفي أكثر من أزمة.
هو أيضا من أشرف على مشروع الانفتاح التركي باتجاه الخليج بعدما تجاهل كثير من الحكومات التركية المتعاقبة القيمة التاريخية والاقتصادية والاستراتيجية لهذه المنطقة وأسهم في إيصال أكمل الدين إحسان أوغلو إلى موقع القيادة في منظمة المؤتمر الإسلامي لحقبتين متتاليتين.
أوغلو شخصية تتحدث بصراحة وواقعية وهو الذي ردد أكثر من مرة، أنه لا مشكلة له مع الغرب، لكن مشكلته هي مع عملية القطع التاريخي طويلة الأمد مع الشرق لكن ثمار هذه السياسة لم تظهر إلى العلن بعد.

