خلال الأسبوعين الماضيين، سمعنا عبارات “الدستور”، “حكم القانون”، “الحكم الجيد”، “الديمقراطية”، وكلمات أخرى مشابهة يقولها أشخاص مختلفون ولكن بمعان مختلفة.
ولكن إذا نظرنا إلى ما يحدث فإن هذه الكلمات يبدو وكأنها فقدت معناها تماما.
في الحقيقة، ما يحدث حاليا لا علاقة له بالسياسة ولكن باستغلال السياسة.
الانتصار يعود إلى أولئك الذين يظهرون قدرة أكبر على اللعب بعقول الناس وجعلهم يصدقون أنهم يملكون الحل للمشاكل التي بين أيديهم.
أجهزة الإعلام تبدو بالطبع شريكا لديه الاستعداد والرغبة.
وهي تحب دورها، الدور الذي تبدو فيه وكأنها تصنع القادة بينما هي في الواقع مجرد مخلب آخر.
يُقال لنا إن البلد وصل إلى نقطة لم يعد التغيير فيها ممكنا فيما عدا هذه النسخة المحلية من الربيع العربي.
هنا لا بد من الإشادة بدور حزب الحركة الباكستانية للعدالة وحزب حركة الشعب الباكستاني في السيطرة على الحركة الشعبية.
المسيرة الطويلة، الإشارة إلى سوريا ومصر أو نلسون مانديلا والمهاتما غاندي تهدف إلى إيجاد صدمة لإرباك الناس إلى درجة تجعلهم ينسون ما يؤمنون به بالفعل أو ما هو صحيح وما هو خاطئ.
لا أحد ينكر أن الحكومة تتحمل خطأ عدم تحسين الأداء الحكومي.
ولكن هل وصلنا إلى نقطة يكون الخيار الوحيد فيها هو خنق الحكومة؟ معظم الذين تحدثنا إليهم من حزبي العدالة والشعب تحدثوا عما لم تنجزه الحكومة، لكنهم تحدثوا عن إنجازاتها أيضا.
لكننا لا نسمع الصوت الآخر بقدر سماعنا لصوت أولئك الذين يبيعون فكرة “باكستان الجديدة”.
إن مقارنة الأمور مع ما يحدث في الشرق الأوسط خطير لأن التركيز على نشوة التغيير في القاهرة على سبيل المثال يجعلنا ننسى خصوصية الحالة المصرية وأن أولئك الذين تسببوا بالتغيير فشلوا في النهاية وتم تهميشهم.
من المثير للاهتمام أن قادة حزبي الشعب والعدالة في باكستان ليسوا الوحيدين الذين يخلقون باكستان الجديدة.
هناك منظمات أخرى، مثل الجماعة الإسلامية وجماعة الدعوة، تقوم بتنظيم الأعمال الخيرية وحركات الاحتجاج على ما يحدث في قطاع غزة.
علاوة على ذلك، باعتبار أن الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة يخوضان مواجهة مريرة حاليا، فإنها قد تدفع باتجاه يجعل الباكستانيين يتمنون أن يتدخل الجيش لمنع تدهور الوضع في البلد.
المسيرة الحالية لن تفعل شيئا سوى دفع البلد نحو نقطة “نهاية السياسة” التي تسبب تقوية التيار المتشدد بدلا من تشجيع الوصول إلى حل دائم.
إن احتمال حدوث تدخل عسكري قوي أو بسيط أو ازدياد قوة التيار اليميني الديني ليسا القضيتين الوحيدتين.
نحن لسنا متأكدين إذا كان قادة “باكستان الجديدة” سيكونون قادرين على تحقيق وعودهم.
مع الارتباك الذي تسببه أجهزة الإعلام الشعبية، هل نحن لدينا القدرة على التفكير في القدرات الحقيقية للقيادات الجديدة؟ لماذا لا يعترض أصحاب الأراضي وأقرانهم في حزب العدالة عندما يأتي الناس وينحنون لهم؟ لماذا يبدو أن هؤلاء الناس لن يتمكنوا من تسويق أنفسهم ولا من إقناع الشعب بأنهم سيدافعون عن حقوق الفقراء والمظلومين في الوقت الذي ينظرون إليهم بطريقة فوقية؟ أما بالنسبة للحراك الشعبي الجديد، فإن مصطلحات “الطبقة الوسطى”، “الفقراء” و “الحكم” هي مصطلحات يتم تسويقها بشكل جيد.
حتى أولئك الذين يشكلون جزءا من طبقة النخبة فإنهم سيقدمون أنفسهم غالبا على أنهم جزء من الطبقة الوسطى.
هل نستطيع أن نفكر في احتمال أن يكون أبناء الطبقة الوسطى الحقيقية أو الطبقة المحرومة سيكونون سعداء بالتغيير؟ وهل سيكون التغيير مترافقا مع الاستقرار في باكستان؟ إننا لا نستطيع أن نسمح لهذا البلد بالانزلاق إلى مزيد من الفوضى والارتباك والتخبط حيث يفقد كل شيء معناه ويتحول معظم الناس إلى أمراء حرب.
نحن لم نصل إلى وضع يشبه ما حدث في سوريا أو مصر بعد.
لكن هذا يجب أن يدفعنا على ألا ننسى الحاجة الماسة إلى الحوار وإلى ضرورة تجنب الأحزاب والحركات السياسية خوض الصراعات الإقصائية.
إننا نتمنى أن تفهم قيادات المسيرات الشعبية والحكومة الباكستانية أن استغلال الخطاب والتحريض يدفع باكستان إلى حافة الهاوية، وأن ذلك قد يجعل البلد يصل إلى مرحلة شبيهة بما يحدث في سوريا، خاصة عندما يصل الشعب إلى مرحلة يشعر فيها أن جميع آماله تحطمت ولم يعد تحقيقها ممكنا.
إن من المؤلم حقا أن نرى البلد يتحطم بهذا الشكل.