الاستثمار في الطاقة النظيفة خيار عالمي في المستقبل

يتزايد الإدراك العالمي لمدى الأثر الاقتصادي الذي يمكن أن ينشأ من التغير المناخي، والذي يتمثل ببساطة في أن ارتفاع درجات الحرارة 4 درجات مئوية ينتج عنه تقلص الربحية خاصة وأن وسائل الإنتاج الحالية غير مؤهلة للاستمرار في العمل مع التغيير الحاصل في درجات الحرارة.
هذا الإدراك المتنامي بقوة يؤكد أن الاستثمار في النمو المنخفض للانبعاثات الكربونية والمرن من الناحية الاقتصادية هو خيار المستقبل.
البنك الدولي يؤكد في تقرير له أن ما يعزز هذا الإدراك الإحساس والنداءات بأن الفرصة سانحة لابتكار مستقبل أكثر نظافة.

 

أفكار مبتكرة لمواجهة التحدي المقبل

أمام التحدي الجديد والمتمثل في التأثير الاقتصادي السلبي على أداء الشركات جراء التغير المناخي، ظهرت العديد من الأفكار والأطروحات والحلول التي تتميز بالمرونة والابتكار والكفاءة.
وتقول شركة “كي دي إف الرومانية للطاقة” وتعد رائدة في مجال معالجة الاحتباس الحراري، وهي من المؤيدين أيضا لبيان تسعير الكربون: تسعير الكربون يحسن من كفاءة الاقتصاد، وهو إشارة للاستثمار في النمو منخفض الانبعاثات الكربونية والمرن من الناحية الاقتصادية.
وترى شركة “جي دي إف سويز”، وهي شركة متعددة الجنسيات ومقرها فرنسا وتعمل في مجال الطاقة أن تسعير الكربون وسيلة فعالة التكلفة للتصدي لتغير المناخ مع السماح للشركات باختيار كيفية خفض انبعاثاتها، واستعدت الشركة التي تعمل في نحو 70 بلدا موزعة على خمس قارات ولدى بعضها أنظمة لتسعير الكربون للمستقبل عبر نشاطها في تخصيص موارد الطاقة المتجددة للحد من الأثر الكربوني، وهو تحرك وضعها في وضع متميز في قطاع الطاقة.
وتحث الشركة حكومات العالم على فرض تسعير للكربون وتقول في بيان لها: “نؤيد الكربون لأننا نعتقد بضرورة معالجة المخاطر المرتبطة بتغير المناخ، ونؤيد أي إجراء للحد من الانبعاثات بأساليب فعالة من حيث التكلفة.
ونساند أساليب تستند إلى السوق وتبادل الانبعاثات ما يمنح مجتمع الأعمال المرونة اللازمة لتحديد موعد خفض الانبعاثات وأيها سينخفض”.
وتصف شركة “مايكروسوفت” التي تستخدم سعرا غير رسمي للكربون، المنافع المماثلة من نموذج التسعير الداخلي للكربون، وترى أن آلية التسعير الداخلي تتيح مبررات لكفاءة الأولويات على كل مستوى من مستويات التنظيم.
وتؤكد أنها وجدت بمرور الوقت أنه كلما تكاملت أهداف الاستدامة في مجال الأعمال تحسن وضعنا في التصدي لتغير المناخ والأوضاع الاجتماعية والبيئية.
وترى أن نموذجها يساند فرض رسم للكربون كثقافة وابتكار وكفاءة.

 

المستثمرون يؤيدونه حفاظا على أصولهم من المخاطر

يشارك المستثمرون سواء كانوا أفرادا أو مجموعات أو صناديق شركات في إدراك مخاطر التغيير المناخي، خاصة وأن أنشطتهم تعتمد على عناصر أهمها الشفافية والاستدامة، ويساعد تسعير الكربون على إبراز المخاطر التي تواجه أصولهم المتناثرة، ويجمع المخاطر الناشئة عن حرق الوقود الأحفوري بمصادرها وتكاليفها التي نادرا ما تنعكس في أسعار الأسهم اليوم.
واقترح صندوق المعاشات التقاعدية الفرنسي، الذي يستثمر في عدة قطاعات أن تسجل الشركات أثرها الكربوني كوسيلة لتقييم مدى استعداد الشركات للتعامل مع تغير المناخ.
وقال وهو من المؤيدين لبيان تسعير الكربون: بافتراض، نتيجة لذلك، أنه سيكون لصالح أي شركة تحقيق أكبر العائدات الممكنة بأقل أثر كربوني ممكن، فإن الضغوط ستزيد لتحقيق إصلاح شامل لنماذج الأعمال المؤسسية، ولن نشدد مطلقا بالقوة الكافية على أهمية الشفافية.
من جانبها قالت أربع مجموعات استثمارية من أوروبا وآسيا وأستراليا وأمريكا الشمالية: علاوة على تشجيع الاستثمار في توليد الكهرباء بوسائل منخفضة الانبعاثات الكربونية، فإن تسعير الكربون يتيح للمستثمرين أيضا حافزا لمتابعة أنشطة أخرى منخفضة الانبعاثات الكربونية مثل أبعاد المحافظ عن الاستثمارات المرتفعة الانبعاثات الكربونية، حيث يتوفر لها وجهة نظر أكثر وضوحا عن التكلفة الاقتصادية للاحتفاظ بأصول عالية الانبعاثات الكربونية.
وأضافت: تواصل التحسين والتوسع في تسعير الكربون أمر حيوي لمستقبل الطاقة المنخفضة الانبعاثات الكربونية.

 

أهمية مشاركة القطاع الخاص

يفرض الواقع ضرورة مشاركة القطاع الخاص في معالجة هذا الأمر الحيوي، إذ يهدد تغير المناخ بفقدان ما تحقق في مجال التنمية طوال عقود في بلدان العالم ويعرض الأشد فقرا وحرمانا لأكبر المخاطر.
ولن تكفي الأموال العامة وحدها في تحويل العالم إلى النمو المنخفض الانبعاثات الكربونية الذي يمكن أن يحد من الانبعاثات إلى مستويات آمنة، فنحو ثلثي الموارد التمويلية لمشاريع تساعد اليوم على التخفيف من تغير المناخ مثل تنمية الطاقة المتجددة والتوسع في كفاءة الطاقة تأتي من القطاع الخاص، ويقل الإجمالي كثيرا عن الاستثمارات المطلوبة.
ويتطلب التصدي لتحديات تغير المناخ قيادة القطاعين العام والخاص معا.
ووصفت شركة المنتجات الاستهلاكية العالمية يونيليفر هذا المزيج والأثر على شركات السلع الاستهلاكية في البيان المشترك لتسعير الكربون: قدر كبير من أثر عملياتنا يقع خارج سيطرتنا، ولذلك فإننا نحتاج إلى إشراك الحكومات في خلق بيئة مساندة للتصدي للتحديات الضخمة التي يواجهها العالم في مجال الاستدامة.

 

مخاطر تحدق بالشركات مع التغير المناخي

تحدق العديد من المخاطر بالشركات جراء التغير المناخي، فمعظم الشركات التي تعتمد على الكهرباء وتوفير وسائل النقل والسلع الاستهلاكية بل وحتى الأجهزة الالكترونية، تحتاج إلى إمدادات منتظمة من المياه لعمليات الإنتاج، وكلها سلسلة من المصادر وآليات معرضة للتدمير جراء الأحداث المناخية المتطرفة، كما أن إنتاجها مهدد بالتراجع أو زيادة التكلفة مع ارتفاع درجات الحرارة.
وبالفعل بدأت العديد من الشركات العالمية مثل قوقل وولمارت وشل في استخدام “سعر غير رسمي” لانبعاثات الغازات الدفيئة في التخطيط لاستثماراتها، مستهدفة بذلك المساعدة على تجنب المخاطر والعثور على الفرص التي يمكن أن تزيد من كفاءة استخدام الطاقة والموارد، والحد من الانبعاثات، ومنحها ميزة تنافسية.
ولن يدفع السعر الداخلي للكربون والذي يستخدمه قادة الأعمال الذين يتخذون إجراءات استباقية، صناعة بأسرها لتتحول إلى ممارسات أكثر كفاءة، لكن سعر الكربون المستخدم على نطاق قطاع بأكمله أو صناعة بأسرها يمكن أن يفعل ذلك.
تعمل حاليا شركات في نحو 40 بلدا وأكثر من 20 مدينة وولاية وإقليما، بسعر رسمي للانبعاثات يتحدد أو يتقرر لقطاعات كاملة أو اقتصاد بأسره عبر ضرائب الكربون أو أسواق الكربون.
ويرسل هذا السعر إشارة اقتصادية دائمة بأن الاستثمار في النمو الأكثر نظافة ومنخفض الانبعاثات الكربونية يمكن أن يفيد الجميع.
يضاف إلى ذلك انضمام نحو 250 شركة إلى بيان يشجع الحكومات على استكشاف أساليب لتسعير الكربون وتحديد سعرها المعقول للكربون، البيان نظمته مجموعة البنك الدولي وشركاؤها بمن فيهم المنتدى الاقتصادي العالمي، والميثاق العالمي للأمم المتحدة ومجموعة قادة المؤسسات التابعة لأمير ويلز.

 

ضعف قدرات الشركات على تحمل التبعات

ينتاب الشركات الصغيرة أيضا حالة من الشعور بالقلق بشأن تغير المناخ، ومبعثه أن مواردها القليلة تضعف من قدرتها على تحمل الأحداث المناخية المتطرفة والتعافي منها أو التكيف معها.
من جهته يؤيد مجلس الأعمال المستدامة الأمريكي، والذي يتعامل مع الشركات الصغيرة إيجاد تسعير ملائم لحرق الوقود الأحفوري واستخدام الحصيلة في خفض الضرائب في مجالات أخرى.
وقال المجلس: بإعادة جزء من العائدات للأقل دخلا، فإن تسعير الكربون يفيد في الواقع الشركات الصغيرة التي تخدم هذه الفئة من المستهلكين.
وأضاف: “إن التصدي لتغير المناخ لا يحول دون كارثة اقتصادية فحسب، بل يمكن أن يصبح مصدرا للابتكار وخلق فرص العمل وإنتاج منافع اقتصادية وعالمية ذات قدرة تنافسية”.
ومن النماذج التي يحتذى بها في هذا المجال فرض إقليم كولومبيا البريطانية منذ 2008 ضريبة على الانبعاثات الناشئة عن الوقود الأحفوري تدفع عند مضخة البنزين، لكنه خفض بعد ذلك الضرائب على الشركات والأفراد وأضاف خصما ضريبيا على ذوي الدخول المنخفضة لحماية الفقراء.
إن النهج المحايد بالنسبة للعائدات قاد إلى واحدة من أقل شرائح الضريبة على الدخل في كندا وخفض انبعاثات الإقليم.