بعد انتخاب اصلان وجيريت
القضاء التركي امام امتحان
" المواصفات التي يريدها العدالة والتنمية "
صحيفة مكة - اسطنبول
التغيير الاخير في اهم مؤسسات القضاء التركي مكنا حزب العدالة والتنمية من تجاوز عقبتين
والتخلص من صوتين معارضين قويين طالما اتهماه بتسييس القضاء ودفع المواطنين لفقد ثقتهم بهذه المؤسسة.
الاكاديمي وأستاذ مادة القانون الدستوري زهدي أرصلان فاز في انتخابات رئاسة المحكمة الدستورية خلفاً لهاشم كيليش الذي اتهم سابقاً حكومة العدالة والتنمية بتسييس القضاء، واتهمه الرئيس أردوغان بدعم المعارضة وجماعة الداعية المعارض فتح الله جولن .
إسماعيل رشدي جيريت فاز من ناحيته في انتخابات المجلس الاعلى للقضاء " المحكمة العليا " وهو الذي تجمعه مع الرئيس اتركي رجب طيب أردوغان حادثة قديمة، فهو الذي برّأ أردوغان في تهمة تذاكر الركوب الالكترونية في وسائل النقل المشترك عندما كان رئيساً لبلدية إسطنبول عام 1998.
على جبهة المحكمة الدستورية التي كانت حتى الاعوام الاخيرة احدى اهم قلاع العلمانية التركية الحصينة والتي فتحت مع اختيار اليميني المحافظ هاشم كيليش عضوا ثم انتخابه رئيسا فيما بعد نجح حزب العدالة في التخلص من كيليش هذه المرة الذي بدا ينتقد قراراته ويعارض اسلوبه ونهجه في التعامل مع مسائل الحريات وتمركز الديمقراطية وكان اخرها قراراته في قضايا حظر وسائل التواصل الاجتماعي .
المشكلة بدات عندما وجه أردوغان انتقادات حادة لموقف رئيس المحكمة الدستورية السابق بعد أن انتشرت ادعاءات بانتمائه إلى جماعة “الخدمة” بزعامة فتح الله جولن وهو ما دفع كيليش للرد منتقدا النهج السياسي للحكومة التركية في تحد قوي للرئيس أردوغان الذي هاجم قرارات وأحكام المحكمة في البلاد.
وبذلك تصل تركيا الى نتيجة يعرفها الجميع وهي أن انتخابات المحكمة الدستورية التي تأجلت مرتين بسبب عدم التوصل إلى النصاب القانوني كان سببها الحرب الباردة بين أردوغان وكيليش حول اختيار الرئيس الجديد للمحكمة كما تقول اقلام يسارية معارضة .
رئيس المحكمة الدستورية كيليش الذي قرر الاستقالة قبل إكمال فترته بشهر مما وصف بانه ردة فعل جديدة حيال الحكومة والحزب الحاكم كان قد دخل العام الماضي ايضا في جدل مع الرئيس التركي عندما كان رئيسا للوزراء بعدما ألغت المحكمة قرارا للحكومة بحظر موقع “تويتر”، حيث انتقد أردوغان بشدة حكم المحكمة، لكن كيليش رد عليه بأن القضاء لا يمكن أن يؤدي عمله بموجب أوامر من الساسة مما حوله الى هدف للإعلام المقرب من الحكم وقواعده الشعبية واتهامه بالتحول الى صوت وسيف المعارضة في المحكمة .
إرصلان فاز بـ 11 صوتاً مقابل 6 لمنافسه سرّوت قاليلي وسط قناعة الكثيرين ان آرصلان كان مرشح الحزب الحاكم لتولي رئاسة المحكمة لكن الرئيس الحالي كيليش اكد أنه سيواصل الدفاع عن الحريات والحقوق الأساسية وحيادية القانون مهما كلفه الأمر ومهما غضبت بعض الأطراف، في إشارة إلى الرئيس أردوغان الذي كان كيليش من أبرز منتقديه.
اما على جبهة المحكمة العليا التي تجمع كبار رجال القضاء الاتراك من كافة الشرائح الفكرية والسياسية وتعتبر المكان الرمز للعلمانية وآلاتاتوركية وتركيا المنفتحة على الغرب ، فكانت النتيجة مرضية للحكومة التركية ايضا بعدما انتخب اسماعيل رشدي جيريت رئيساً , خلفاً للرئيس السابق علي ألكان, الذي ترك مهامه بسبب سنه التقاعدي لكنه يعتبر من الاصوات المعارضة ايضا .
وانتخب جيريت رئيس الدائرة 13 بمحكمة الجنايات رئيسا للمحكمة العليا خلفا لألكان بـ 280 صوتاً وهي نتيجة عكست المسار الجديد في ادارة شؤون المحكمة للمرحلة المقبلة بالمقارنة مع الاصوات التي حصل عليها اقرب منافسيه مقابل 155صوتا للمرشح الثاني أردال كوكتشاك .
مراد اقصوي الاعلامي المعارض يقول من المستبعد ان تتحرك المعارضة التركية الضعيفة المشرذمة والتي تسعى لفرض نفسها في لعبة المعادلات السياسية لقطع الطريق على الحزب الحاكم لكن مهمة الحكومة التي ارجأت قبل ايام لقاء مشتركا مع الاتحاد الاوروبي مجبرة في جميع الأحوال على تقديم الاجابات المرضية بعد تزايد الانتقادات الخارجية .
نائب رئيس حزب العدالة والتنمية مصطفى شنتوب من جانبه يرى ان المحكمة الدستورية بحاجة إلى بداية جديدة وزهدي إرصلان يعتبر فرصة رائعة لتحقيق ذلك لكن مشكلة العدالة والتنمية ستبقى قائمة رغم رحيل كيليش و الكان فرئيس المحكمة الدستورية يحذر قبل المغادرة من أن يتحول القضاء في البلاد إلى "أداة انتقام" على يد السلطات السياسية بعد أن عززت شخصيات مدعومة من الحكومة قبضتها على بعض المحاكم الرئيسية.
وامام هذه النتائج الجديدة في السلك القضائي يرى جناح جماعة جولن انه ومنذ ظهرت تحقيقات الفساد التي استهدفت الدائرة المقربة من أردوغان بنهاية عام 2013 تمت إقالة أو نقل مئات من القضاة وممثلي الادعاء وآلاف من ضباط الشرطة، وأسقطت محاكم دعاوى ضد المتهمين بالكسب غير المشروع.
لكن اخرون يقولون ان الانتخابات الاخيرة في اهم المؤسسات القضائية عززت مساعي الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لكبح السلطة القضائية وتخليصها من نفوذ رجل دين يتهمه أردوغان بمحاولة الإطاحة به عن طريق فضيحة فساد مصطنعة.
كيليش المغادر حذر من طريقة إجراء الانتخابات القضائية وقال إن تركيا تواجه مشاكل خطيرة تتعلق باستقلال القضاء.
وأضاف ان الجميع يعلم الآراء السياسية للقضاة وممثلي الادعاء في القرى النائية في البلاد.
لا يمكن أن نستمر بمثل هذه الهيئة القضائية ما دامت هذه الانتخابات تجري فستحدث صراعات سياسية وخلافات.
القضاء ليس أداة انتقام وليس سلطة لأي طرف لكي يحقق أهدافه مما يترك حكومة العدالة والتنمية امام امتحان جديد فيدالمرحلة المقبلة .
اقلام ليبرالية تركية تقول ان تمسك الرئيس التركي اردوغان بتغيير شكل النظام في تركيا ونقله الى النظام الرئاسي يتركه امام امتحان اخر في التعامل مع السلك القضائي بعدما فسرت رغبته هذه بازالة العائق القضائي من أمامه ووضع السلطة القصائية تحت تصرف الحزب الحاكم في تركيا .
خصوصا وان رئيس تحرير صحيفة " زمان " التركية أكرم دومانلي سبق وأكد من صوبه أن حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا تعتمد على “التعسفية والبلطجة الجوفاء” في إدارة البلاد بعد إلغائها المعايير الديمقراطية وتجميدها للمبادئ القانونية مشيرا إلى أن تركيا تدار “وفق رغبات السادة واللوردات وأبنائهم ونوبات غضبهم وأطماعهم وما إلى ذلك من شهواتهم” .
صحف المعارضة التركية تقول ان ذهاب رئيس المحكمة الدستورية والمحكمة العليا في تركيا اللذان دأبا على توجيه انتقادات شديدة اللهجة للحكومة والرئيس رجب طيب أردوغان وكثيرا ما أشارا لعدم استقلالية القضاء في البلاد للتقاعد بعد أن بلغا السن القانونية سيعني اختيار اسمين جديدين كان أردوغان يريدهما “وبذلك يكون أردوغان تخلص من صوتين معارضين قويين طالما اتهماه بتسييس القضاء ودفع المواطنين لفقد ثقتهم بهذه المؤسسة” كما ترى صحيفة " زمان " المحسوبة على جماعة فتح الله جولن .
وهذا ما يترك الحكم في تركيا امام امتحان جديد وهو في الطريق لانتخابات عامة في مطلع يونيو - حزيران المقبل قد تقلب المعادلات رأسا على عقب .
بعد انتخاب اصلان وجيريت
6 دقائق للقراءة

حجم الخط
