كانت الملكة كليوباترا امرأة ذكية وفاتنة، أما فان جوخ فقد كان من أعظم الفنانين التشكيليين في التاريخ، كما كان الكاتب الأمريكي ارنيست همنجواي صاحب رواية العجوز والبحر هو الروائي الأعظم في عصره. فما هو الحدث المشترك في حياة أو بالأحرى وفاة هؤلاء؟ الإجابة أن جميعهم اختاروا أن يضعوا حداً لحياتهم بأنفسهم، كليوباترا بلدغة ثعبان والآخرين بطلقة مسدس، كما فعل الكثير كالملكة زنوبيا وأدولف هتلر والمطربة داليدا وأخيراً الممثل الكوميدي روبين ويليامز
لماذا يختار البعض أن يجعل حداً فاصلاً للحظات حياته ويغادر هذه الدنيا بمحض إرادته؟ قد تكون هناك أسباب مرضية كالاكتئاب المسؤول عن ثلث حالات الانتحار، أو تعاطي الكحول والمخدرات بأنواعها المختلفة، لكن السبب الرئيس هو ذلك الإحساس بأن هذه الحياة أصبحت عديمة القيمة وأن حبل الأمل في الإصلاح بات مقطوعاً، أي أن اليأس وفقدان الأمل هما السببان الرئيسيان في التفكير في الانتحار والشروع فيه. هذا ما حصل للبوعزيزي قبل أن يسكب الزيت على جسده ويحرق نفسه، وما حدث للشاب الذي ألقى بنفسه من على جسرٍ عالٍ.
ليس الفقر وحده من يدفع الإنسان إلى الانتحار، فأكثر البلدان في معدلات الانتحار هي البلدان الأكثر رفاهية في العالم كالسويد والنرويج، وربما ينتحر الناس هناك مللاً من حياة مرفهة تفتقر إلى المنغصات، أما في اليابان فالشعور بالخزي والعار دفع بعالم إلى الانتحار بعد نشره بحثاً طبياً أعطى أملاً كاذباً بنجاعة العلاج بالخلايا الجذعية، أو كما فعل الكثير من الجنود اليابانيين في الحرب العالمية الثانية سواءً ببقر بطونهم (الكاموكازي) أو الهجوم بالطائرات حتى الموت لأنه لا يمكن العيش بعار الهزيمة.
في الماضي القريب لم يكن الانتحار مشكلة ملموسة في المجتمع السعودي، إلا أن تعقيدات الحياة أدت إلى ارتفاعه بشكل ملحوظ حتى بلغ معدل حالتين يومياً في عام 1430 هجرية، وتظل العقبة الحقيقية هي الإعراض عن زيارة الطبيب النفسي حال ورود فكرة الانتحار لوأدها في مهدها.
النفس البشرية هبة عظيمة من الخالق الذي أبدع في تفاصيل كل خلية من خلاياها، وإزهاقها ذنب لا يغتفر (وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا * وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا).   

aalmansari@