أهم ما وجدت في كلمة سماحة المفتي التي بثتها (واس) ونشرتها الصحف - جزاه الله خيرا ووفقه إلى الأفضل - هو تأكيده الصريح أن: «علينا في المملكة العربية السعودية، وقد أنعم الله علينا باجتماع الكلمة ووحدة الصف حول قيادتنا المتمثلة في خادم الحرمين الشريفين الملك عبدالله بن عبدالعزيز آل سعود ووليّ عهده الأمين ووليّ ولي العهد، حفظهم الله، علينا أن نحافظ على هذا الكيان المرصوص الذي يشد بعضه بعضا، وألا نجعل من أسباب الشقاق والخلاف خارج الحدود أسبابا للخلاف فيما بيننا، فكلنا، ولله الحمد، في المملكة العربية السعودية موحدون ومسلمون، نحافظ على الجماعة، ونلتزم الطاعة في المعروف، ونحمل أمانة العلم والفكر والرأي والقلم، ويوالي بعضنا بعضا ولاء عاما، ويعذر بعضنا بعضا فيما أخطأنا فيه، سواء في ذلك العلماء والأساتذة والكتاب والمثقفون وسائر المواطنين، ندير حواراتنا حول ما يهمنا من قضايا الدين والوطن بأسلوب الحوار الراقي الذي لا يُخوّن ولا يَتَّهم، فكلنا في هذا الوطن سواء، لنا حقوق وعلينا واجبات».
وكان سماحته قبل أن يؤكد هذا المطمح العظيم قال: «والمقصد العام للشريعة الإسلامية هو عمارة الأرض وحفظ نظام التعايش فيها واستمرار صلاحها بصلاح المستخلفين فيها، ومن أسس القرآن الواسعة: أن الأصل في الأشياء الإباحة (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي الأَرْضِ جَمِيعا) البقرة: 29، وأن الأصل في الإنسان البراءة: (فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا) الروم: 30، وهاتان القاعدتان هما أساس كل تشريع وحرية». وبعد أن أوضح سماحته خطورة ما يسمى بداعش والقاعدة وما تفرع عنهما من جماعات ضلال وإرهاب، وبعد تنديده بالتشدد والتطرف وما يفضيان إليه من شرور، قال سماحته: «وهذه الجماعات الخارجية لا تحسب على الإسلام، ولا على أهله المتمسكين بهديه، بل هي امتداد للخوارج الذين هم أول فرقة مرقت من الدين بسبب تكفيرها المسلمين بالذنوب، فاستحلت دماءهم وأموالهم، وندعو في هذا الصدد إلى توحيد الجهود وتنسيقها، التربوية والتعليمية والدعوية والتنموية، لتعزيز فكر الوسطية والاعتدال النابع من شريعتنا الإسلامية الغراء، بصياغة خطة كاملة ذات أهداف واضحة مدعمة بخطة تنفيذية تحقق تلك الأهداف المنشودة واقعا ملموسا». ولا شك أن كلمة سماحته تضمنت - وفق فهمي - ثلاث نقاط مهمة هي: أولا: أهمية الوطن ووحدته، وضرورة الالتفاف حول قيادته، والحفاظ على أمنه واستقراره، والحرص على لحمتنا الوطنية، وأن نتحاور دون اتهام ولا تخوين. ثانيا: أن الإسلام العظيم يقوم على قاعدتين هما: الإباحة في الأشياء، والبراءة في الإنسان، وهما أساس كل تشريع وحرية، وبهما وعليهما تقوم عمارة الأرض. ثالثا: أن هذه التنظيمات الإرهابية، مثل داعش والقاعدة، كفرت المسلمين بالذنوب، وهذا ما يناقض القاعدتين الأساسيتين للتشريع والحرية (الإباحة في الأشياء والبراءة في الانسان)، ولهذا طالب سماحته بصياغة (خطة كاملة) لتكريس تلك القواعد الشرعية القائمة على الاعتدال والوسطية، مع (خطة تنفيذية) لتحقيق ذلك.
وبهذا فإن سماحة المفتي يدعو - جزاه الله خيرا - إلى تجاوز مسألة الشجب والاستنكار، إلى وضع خطة كاملة لاجتثاث فكر التطرف والتشدد من بلادنا، وهي خطة، كما أوضح سماحته، لا بد أن تقوم على الأصلين القرآنيين (الإباحة في الأشياء والبراءة في الإنسان)، ولا شك أن سماحته يعلم أن تجاهل هذين الأصلين هو أساس التطرف والتشدد، وهو الذي أفضى إلى التكفير بالذنوب، وبالتالي الإرهاب المستبيح للدماء والأعراض والأموال.
إنني آمل أن تتولى هيئة كبار العلماء برئاسة سماحة المفتي وضع هذه الخطة، مع الاستعانة بمن تراه من المتخصصين، وبالجهات التي ذكرها سماحته، فالهيئة منوط بها توضيح وتكريس تلك الأسس الشرعية لحياة الناس وعلاقاتهم، وهي أكثر من يقنعهم بالحجة والدليل، وهي أقوى من يكبح جماح أصحاب قاعدتي (التحريم والشك) اللتين سادتا عقودا، حتى أفسدتا حياة الناس وشوهتا دينهم.