في “الرواية” غير ما في “الشعر” من تقاليد وأصول، فالشعر إنشاؤه وإبداعه يقترنان بصغر السن وفورة الشباب. وفي أخبار الشعراء نظهر على أقوال تصل الشعر بالفتوة والشباب، وفيها أن الشاعر كلما تقدم في العمر يضوى شعره وتفتر مقدرته على الإبداع، فهذا الفن من القول يسلس لصاحبه في حقبة معينة من العمر، وقلما ينبغ فيه إنسان إذا ما عدا الشباب، وإذا ما لقينا ما يخالف هذه الطبيعة، فيدعى صاحبه “نابغة”، وكأنه خالف سنن الأشياء وطبيعتها، ولطالما قرأنا في التراث الشعري القديم والحديث، كيف ذوت القدرة الشعرية، مع التقدم في السن، عند هذا الشاعر أو ذاك، إلا في استثناءات يسيرة.
وعلى نحو مختلف كانت “الرواية”، ونستطيع أن نقرأ في هذا النوع الأدبي ما يناقض الشعر، وكأن هناك اختلافا في “النوع”، فالشعر ابن الطبيعة والفطرة، والرواية ابنة الثقافة والمجتمع، ويصدر عن هذا الاختلاف تمييز في القراءة والمقاربة، بل وفي الإبداع نفسه، فإذا ندر أن يقول إنسان الشعر دون تاريخ له في التجربة، فما هكذا الرواية، وليس ضروريا أن تكون الرواية تطورا للقصة القصيرة، هذا النوع الذي بينه وبين الشعر مشابهة ليس هنا محل تفصيلها، وهذا التمايز ألقى بأثره على هذا النوع الأدبي، فالرواية عمل أدبي أوسع، وشروطها مختلفة، وليس شرطا أن يكتب الرواية من له في هذا النوع تاريخ، وربما كتبها من لم يكن له في الأدب سابقة، ويكثر أن يكتبها من علت سنه، ولعل هذه المسألة تبوئ نوع الرواية مكانة تميزه من الشعر، فإذا كان الشعر، في التصور الرومنطيقي، فيضا تلقائيا، فالرواية عمل موضوعي، يعتمد في وجه من وجوهه على إبداع، ولكنه مختلف، نجد نماذج له ليست باليسيرة في أعمال روائية ممتازة، كتبها أدباء وأطباء ومعلمون وتجار، وإذا ما درسنا الرواية وكتابها، على وفق علم اجتماع الأدب، فسنقف على أمثلة طريفة، لروايات كتبها من ليس له فيها سابقة، ويحملنا على القول: إن فن الرواية زحزح هذا النوع عن “طبقية” أدبية متوهمة، واحتكار فئة له، وأصبح مطواعا وسلسا لمن استطاع إليه سبيلا.