الورع، ثم الزهد بما في أيدي الناس، واستدبار الدنيا وزخرفها، والإخلاص لقيم الدين والعلم، والفقه فيهما والتزام حدودهما وآدابهما وتحقيق غاياتهما، ذلك أظهر ما نطالعه في سير الوعاظ والصالحين في تراثنا، ونفر قليل ممن خلفهم ممن أدركناهم في عصرنا ولحقوا بربهم.

ثم لن تجد لمثل أولئك مشابهاً أو مثيلاً، وإن بالقدر المحقق لرمزية الواعظ أو الداعية إلى الله بإحسان إلا فيما ندر، من نفر قليل من الأخيار الذين لم تعدهم الأمة بعد. وأولئك في مساحة من الظل اختاروها، ولم يعد لهم ذلك التأثير في نفوس الجماهير، لأنهم اختاروا شدها إلى الأعلى والأنقى والأتقى والأبقى، وذلك مبلغ قلَّ طالبوه ومريدوه.
فيما تنازل غيرهم ممن جعل الدعوة والوعظ مطية لمآرب دنيوية أو أيديولوجية، وأمجاد ذاتية دنية، ومدعاة للشهرة والثراء، فأتاهم الله ما طلبوا وبلَّغهم ما أرادوا، وعلم ما فيهم؛ فزيَّن وسهَّل لهم السبل الموصلة إلى مبتغاهم، في غفلة من الوعي، ويقظة من الانتهازيين دلفوا إلى المشهد بحيثيات ليس نزاهة التدين وسمت المتدين منها، وليس مبدأ العالم وشروط استحقاقه لهذا الوصف من بينها. ثم هم أبعد ما يكونون عن مجال العلم وما يقتضيه من إخلاص للمبدأ، وسمو في الهدف، وصبر وبحث وجهد وأناة، ومكابدة وتأصيل. زيفوا وعي الناس وسلكوا بهم سبيل من لا يبتغي حقيقة وجوهر ومقاصد هذا الدين العظيم. واتخذوا سبيل من لا يبتغي إلا مراكمة رصيده من التابعين والمنقادين والمصفقين، وإن إلى غير هدى وبصيرة وتقى، يرتفع بالنفوس والاهتمامات، ويبني القيم والتصورات النبيلة والقويمة النقية، ويستبين واجب الفرد تجاه نفسه ومجتمعه ووطنه. بضاعتهم هشيم من أخبار وتسالٍ وقصص طريف وأخبار، أقرب إلى الترف والسذاجة، وتزجية الوقت وتسفيه العقل، ومقام العلم وشروطه، وميدان الوعظ وآدابه.
ولا بأس إن سرق أحدهم كتاب هذا، واختلس من جهد هذا، وزيَّف فكرة هذا وسلخها من سياقها، وانبرى مجاهراً بفتوحاته في ميدان التأليف.
ولا بأس إن انتهز أحدهم ما يجري في بلد مسلم، فحج إليه خطيباً يزج الناس في جحيم الصراعات بدعوى الجهاد، ثم انسل خفية ببراعة لص إلى أحد مباهج الدنيا يكرع من نعيمها مرتاح الضمير، بعد أن بشَّر بخلاص الأمة على يد الجماعة، فإذا ما نفض سامر الجماعة وزوى سلطانها، وتكشَّف زيفها وخبث أهدافها؛ تنكر ونكث عهده لها، وقد كان سفيرها وخطيبها ولسانها بالأمس، فلم يعد لها من الحظوة والسلطة ما ينهض بطموحه وأمانيه وأحلامه.
وعلى خطى النموذجين يتبارى التلاميذ والأتباع، يفاخر كل من النموذجين بأكثرهم عدداً..! ولا يجاريهم أويدانيهم بكثرة المتابعين إلا (أحلام).. وبئس المثيل. في ميدان افتراضي يتناغم مع طبيعة وجودهم الافتراضي في مجال الدعوة، التي لم يكونوا بمستوى قيمتها الحقيقية وفضيلة الاشتغال بجوهرها والتزام حدودها. وفي فلك هذا الوعي تسير الملايين المولعة بسحر النموذج، والمتبلة في محراب لسانه، وخدر إغوائه وأهوائه، والكثرة تغري وتغوي، ليعم الجهل ويسود، ويفاخر كل نموذج بتعداد ما يجر خلفه من غثاء.
وهذا هو واقع ميدان الوعظ الأليم –لا يسلم منه إلا من رحم الله- لا تجد فيه اهتماماً بقضايا الواقع وهموم الناس، ولن تجد فيه التفاتا إلى هموم الوطن وقضايا الأمة، وتأصيل الاتجاه إليها بفهم نقي وفقه راسخ. فمنذ متى ونحن في خضم إرهاب الفكر وإرهاب الفعل. والتلبيس على الناس في مفاهيم وقواعد ومقاصد دينهم، والزج بأبناء الوطن في خضم الصراعات.. فأي من أولئك انبرى إلى تلك القضايا وكرس حضوره الجماهيري لأجل تحليلها وسبرها وعرضها على صحيح الدين وقويمه ومنهاجه وسبيله..؟ وأي منهم أدرك خطورتها على أمن الوطن واستقراره ووحدة الأمة وتماسكها؟ وأي منهم أدرك بعض ما يفكك ويشرخ لحمة المجتمع ويفتك بكيانه ومنظومته؛ فأخلص في درسها وملاحظتها وتبيان موقف الدين منها..؟ وأي منهم أسس قيمة أو معنى في نفوس أتباعه؟ غير الولع به وتمثيل حالة نفسية وذهنية من عبادته والتلذذ بالانصياع لسلطان نجوميته؟ وإلى الله وحده المشتكى، وإليه الأمر من قبل ومن بعد.

 

[email protected]