تتغزل الدبلوماسية الأمريكية في طيبة وكرم ومسالمة الشعب السوداني، وفي الوقت ذاته تضعه في قائمة الدول الراعية للإرهاب منذ 1994.
ولا يكاد يوجد ديبلوماسي أمريكي توفده واشنطن إلى الخرطوم، حتى يجد نفسه مندمجا وزملاءه مع الشعب السوداني بمختلف أطيافه ويتواصل معه دون تعقيدات أو خوف، علماً بأنه قبل مجيئه قيل له إنه ذاهب إلى بلد يرعى الإرهاب وإن عليه أن يكون حذراً.
لكن سرعان ما تتبدل تلك الصورة لدى وصولهم ويجدون أنفسهم أصدقاء للسودانيين ويتبادلون معهم زيارات عائلية ولا يتوانى بعضهم عن ارتداء الزي السوداني وحتى الدخول في الإسلام كالسفير السابق جوزيف ستافورد.. وبدموع الحزن يغادرون لدى إنهاء فترة عملهم، ويصيغون مفردات مؤثرة يعبرون ضمنيا عن ظلم بلادهم لهذا الشعب المسالم.

 

وداعا للسودان

وليس أدل على ذلك من الرسالة المؤثرة التي ودّع فيها ﻣﺪﻳﺮ العلاقات العامة بالسفارة اﻷﻣﺮيكية ﻟﺪى اﻟﺨﺮﻃﻮم رونالد ﻫﻮﻛﻴﻨﺰ أخيرا، اﻟﺴﻮداﻧﻴﻴﻦ الذين وصفهم بأنهم ﻣﻦ أﻛﺜﺮ ﺷﻌﻮب اﻟﻌﺎﻟﻢ ﺣﻤﻴﻤية وﻛﺮما ورﻏﺒﺔ ﻓﻲ ﻏﺪ أﻓﻀﻞ.
وﻗﺎل هوﻛﻴﻨﺰ ﻓﻲ رﺳﺎﻟﺘﻪ اﻟﺘﻲ ﻧﺸﺮﻫﺎ ﻣﻮﻗﻊ اﻟﺴﻔﺎرة اﻷﻣريكية بالخرطوم: ﻟﻘﺪ ﺗﻮﻟﻴﺖ ﻣﻬﻤﺘﻲ ﻓﻲ أﻏﺴﻄﺲ 2012، وﻟﻸﺳﻒ ﻓﺈن اﻟﻮﻗﺖ ﻗﺪ ﺣﺎن ﻟﻜﻲ أﻗﻮل وداﻋﺎً ﻟﻠﺴﻮدان.
وﺗﺎﺑﻊ: ﻟﻘﺪ أﻣﻀﻴﺖ ﻋﺎﻣﻴﻦ ﻇﻠﻠﺖ أﺗﻌﺮف ﻓﻴﻬﻤﺎ ﻋﻠﻰ ﺷﻌﺐ ﻫﺬا اﻟﺒﻠﺪ، واﻧﻄﺒﺎﻋﻲ اﻷول ﻫﻮ ﺗﻘﺮﻳﺮي اﻷﺧﻴﺮ، ﻓﺈن ﺷﻌﺐ اﻟﺴﻮدان ﻫﻮ ﻣﻦ ﺑﻴﻦ أﻛﺜﺮ ﺷﻌﻮب اﻟﻌﺎﻟﻢ ﻣﻦ ﺣﻴﺚ اﻟﺤﻤﻴﻤﻴﺔ وﻛﺮم اﻟﻀﻴﺎﻓﺔ.
وخاطب ﻫﻮﻛﻴﻦ السودانيين قائلا: ﻟﻘﺪ زرت ﻣﺪارﺳﻜﻢ وﻣﺴﺎﺟﺪﻛﻢ وﻛﻨﺎﺋﺴﻜﻢ وﻛﺬﻟﻚ ﺑﻴﻮﺗﻜﻢ، وﻓﻲ ﻛﻞ ﻣﺪﻳﻨﺔ وﻛﻞ ﻣﻜﺎن ﻛﺎن ﻳﺮﺣﺐ ﺑﻲ ﻻ ﻛﺰاﺋﺮ أو ﺿﻴﻒ ﺑﻞ ﻛﺼﺪﻳﻖ.. ﻫﻜﺬا أﻗﻮل وداﻋﺎً ﻟﻠﺴﻮدان، اﻟﻤﻜﺎن اﻟﺬي ﻣﻨﺤﻨﻲ ﻋﺎﻣﻴﻦ ﻣﻦ اﻟﺬﻛﺮﻳﺎت اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺼﺪق واﻟﺨﺒﺮات اﻟﺘﻲ ﻻ ﺗﺨﻄﺮ ﻋﻠﻰ ﺑﺎل، واﻟﺼﺪاﻗﺎت اﻟدائمة واﻟﺒﺎﻗﻴﺔ، وﻫﻮ ﻤﻜﺎن يصعب ﻋﻠﻴﻚ أن ﺗﻘﻮل ﻟﻪ وداﻋﺎً، وﻣﻦ اﻟﻤﺴﺘﺤﻴﻞ أن ﺗﻨﺴﺎﻩ.

 

كرم مدهش

ويتداول السودانيون رواية عن دهشة أحد سفراء أمريكا بكرم السودانيين الذين يعرف عنهم أنهم ينزلون إلى الطرق السريعة قبيل الغروب في رمضان ويستوقفون المسافرين ليتناولوا طعام الإفطار معهم.
وفي إحدى المرات كان بين السيارات موكب للسفير الأمريكي فأوقفت سيارته وانصاع سائقه السوداني لطلب أولئك الرجال إلا أن السفير انزعج وبدا عليه الارتباك، فطمأنه سائقه بأن هؤلاء الرجال ليسوا بقطاع طرق ولكنهم يريدون أن نتناول الإفطار الرمضاني معهم، فاندهش السفير لطيبة وكرم الشعب السوداني.
وتكرر الموقف نفسه مع نائب السفير الأمريكي في الخرطوم  رمضان الماضي، إذ أثناء مروره بشارع يربط الخرطوم بمدينة عطبرة اعترضت موكبه مجموعة من سكان قرية الكباشي (ضاحية الخرطوم)، مُلحين عليه أن يتناول معهم إفطار رمضان .
وبحسب موقع “سوناس” الذي نشر الخبر حينها بعنوان “نائب السفير الأمريكي بالسودان يقع في قبضة الكرم السوداني!!”، فإن الدبلوماسي الأمريكي اندهش وعبر عن ذلك قائلاً إنه لم ير أو يسمع أو يشاهد مثله في العالم، وهو سلوك طيّب تفرد به الشعب السوداني المسالم.
ولاحقاً كرمت سفارة الولايات المتحدة الأمريكية بالخرطوم الشيخ “الكباشي” ومريديه عبر إفطار رمضاني داخل مقرها بسوبا (ضاحية الخرطوم) لشكرهم على حسن ضيافتهم قبل بضعة أسابيع عند مرور موكب نائب السفير عبر قريتهم.


إسلام السفير الأمريكي السابق بالخرطوم

أنهت وزارة الخارجية الأمريكية مهام سفيرها بالسودان جوزيف ستافورد بسبب اعتناقه الإسلام، حسب ما رود في مواقع إخبارية سودانية، والتي ذكرت أن المتحدث باسم السفارة السودانية قال إن السفير الذي تم إيقافه بصورة مفاجئة من عمله، تقدّم باستقالته لأسباب شخصية، وطلب إعفاءه من جميع المهام الدبلوماسية بالخارجية الأمريكية، وذلك للتفرغ لحياته الخاصة، وهو ما أكد اعتناقه الإسلام وعلاقته الوطيدة بالمجتمع السوداني، وقد زار مقار بعض الجماعات مرات، مما سمح له ببناء صداقات مع رجال الدين السودانيين.
ورفض أحد الدبلوماسيين الأمريكيين بالسفارة الأمريكية في السودان تأكيد هذا الخبر أو نفيه، واكتفى بالقول إن كل مواطن أمريكي له أن يعتنق الديانة التي يرغب فيها، وليس هناك قانون يمنعه من ذلك، مؤكدا أن السفير تقدّم باستقالته لأسباب شخصية.
كما لم تصدر الخارجية الأمريكية أي تصريح حول اعتناق جوزيف ستافورد الإسلام الذي أصبح يعرف في السودان بـ “جوزيف الصوفي”، بينما كلّفت الدبلوماسي كريستوفر هوروان بالقيام بأعمال السفارة في الخرطوم.
وكان ستانفورد تمتع بالأمان والحرية في السودان، وكان يمارس رياضة المشي يومياً بشوارع الخرطوم دون حراسة، ويحضر مباريات القمة السودانية في كرة القدم بين  فريقي الهلال والمريخ بالاستادات العامة.


المغربي: كيل بمكيالين من أجل غايات وأهداف

“سياسة الكيل بمكيالين في علاقات واشنطن بالخرطوم ليست حكرا على الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، بل ينطبق ذلك على علاقات معظم الدول الغربية التي تعتمد سياسة الكيل بمكيالين بشكل راسخ.. فهي تتعامل مع السودان حسب مصالحها ونفوذها الاستعماري في المنطقة، ولا تتعامل بالحقائق والمنطق والواقع، وتدخلها في الشأن السوداني ليس من أجل الشعارات المرفوعة مثل حقوق الإنسان والديمقراطية وغيرها، ولكن بما يحقق مصالحها على أرض الواقع وهي إظهار السودان كأنه دولة غير مستقرة وغير آمنة لأن هذا يمنحها مبررات للتدخل في الشؤون الداخلية في السودان، وأي شهادة لصالح السودان أو حتى الإشارة إلى استقراره الأمني، فستعطل المشاريع الموجودة والقرارات في مجلس الأمن ولدى المنظمات الدولية.
من الطبيعي جداً أن يتجول السفير الأمريكي أو غيره بملابسه الرياضية في شوارع الخرطوم، في حين تقول التقارير الأمنية إن السودان هو بلد الإرهاب .. هذا التناقض يشير إلى أن التقارير تعبر عن المصالح وليس الحقائق.
إذا كان السودان بلد إرهاب فمن الصعب جدا أن يتجول أفراد منظمة المعونة الأمريكية ناهيك بالسفير الأمريكي، في شارع النيل وشارع المطار بملابسه الرياضية دون حراسة”.

مكي المغربي - كاتب وصحفي ومحلل سياسي


عبدالعزيز: المصالح أولا في سياسة أمريكا

“لفهم السياسة الأمريكية تجاه السودان يجب أن يؤخذ في الاعتبار وجود عدد من مراكز القوة التي تضع ملامح سياسة واشنطن الخارجية تجاه السودان في مقدمتها الكونجرس ومجلس الشيوخ والبيت الأبيض والخارجية الأمريكية ومجموعات الضغط والشركات الكبرى، خاصة شركات النفط وتصنيع الأسلحة، هذه مجموعات مختلفة بمصالح مختلفة، وهذا يشير في بعض الأحيان لتناقض واضح للناس في التعاطي مع السودان لتباين المصالح بين هذه الجهات.
أحيانا يوجد تعاون أمني بين الخرطوم وواشنطن، ولكن العلاقات بين البلدين متدهورة.
السودان تعاون مع أمريكا في مجال مكافحة الإرهاب، حتى قال الأمريكيون أنفسهم إنه تعاون أكثر مما كنا نتوقع.
وبعض التسريبات تشير إلى أن أمريكا قدمت كثيرا من المساعدات للسودان في المجال الأمني حسب إشارة المدير السابق للمخابرات السودانية الفريق أول صلاح قوش الذي قال لولا تعاون السودان مع أجهزة مخابرات أخرى لاهتز النظام، وهذا التعاون حقق نتائج للسودان، وهي معروفة في أوساط المخابرات، ولكنها غير معروفة للعامة، بعض الناس الذين انتقدوا تعاون السودان الأمني مع أمريكا باعتباره تعاونا مجانيا، ولم يستفد منه السودان بشيء.
الإدارة الأمريكية خلال الفترة الماضية كانت استراتيجيتها الأساسية تجاه السودان تقوم على ثلاثة أشياء: أولا موضوع السلام، ومكافحة الإرهاب، والديمقراطية.
الديمقراطية تأتي في المرتبة الثالثة، وكان موضوع السلام في السودان أولوية لدى الإدارة الأمريكية خلال الفترة السابقة، وكان الأمريكيون يعتقدون أن قيام دولتين في السودان يحقق السلام والاستقرار حسب اعتقادهم، وأثبت الزمن فشل توقعاتهم بعد الأحداث الأخيرة في جنوب السودان.
في ذات الوقت يدعون إلى الضغط على الحكومة السودانية لإجراء تسويات مع الحركات المسلحة في السودان، والملاحظ أن هذه التسويات كانت تتم بشكل جزئي، حيث وقعت الحكومة اتفاقا مع متمردي دارفور جناح مناوي، ولاحقا وقعت اتفاقا آخر مع التجاني السيسي، وهي تسويات بالمفرق، وخلال الفترة الأخيرة قامت الإدارة الأمريكية بمراجعة سياساتها، واكتشفت أن التسويات الجزئية واتفاقات السلام بالمفرق لا تحقق أي نتائج في استقرار السودان، لذلك وصلت إلى قناعة بضرورة تحقيق السلام الشامل فاتجهت إلى توحيد المعارضة السودانية المسلحة في تكتل واحد لتوحيد الرؤى والمواقف، وذلك كخطوة تمهيدية للوصول لاتفاق شامل بين الحكومة والمعارضة المسلحة.
أما الأمر الأساسي، فهو وضع السودان ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرض عقوبات اقتصادية عليه تجدد بشكل سنوي، إلا أن الحكومة الأمريكية انتبهت مؤخرا لأمر مهم، وهو أن هذه العقوبات لا تميز بين الحكومة والمواطنين.
أحيانا كثيرة تسببت في صعوبات في حياة المواطنين السودانيين، وحرمتهم كثيرا من الفرص، وخلقت إشكاليات في قطاعات النقل خاصة الطيران، والسكك الحديدية، لتأثرها بالحصار الأمريكي، وأخيرا الحصار المالي المفروض، لذلك انتبهت الإدارة الأمريكية أن هذه العقوبات تمس المواطن السوداني، وبالتالي ربما تخلق عداوة لأمريكا في الأوساط الشعبية، خاصة أن تضييق الخناق من شأنه تفريخ عناصر مشبعة بالعداء لأمريكا باعتبارها قاهرة الشعوب، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر، من الممكن أن يخلق ذلك أجيالا معادية لأمريكا، لذلك لجأت واشنطن إلى سياسة التصالح مع الشعوب لتحسين صورتها الذهنية من خلال التقرب لهم”.

محمد عبدالعزيز - محلل سياسي