نحن نعترف أن الحديث الدائم عن الحياة لم يكشف العميق من معناها، بل اكتفى كثيرا بظاهر الحياة وسطحها، أو كان يحكي ألم التجربة مع الحياة وظروفها! وقد نتج عن ذلك ورافقه حديث ديني واجتماعي يقلل من قيمة الحياة، وربما يزدريها ويستخف بها في الوقت الذي يتألم منها ويتوقع شرورها!! بينما الحياة أكبر وأبسط وأعمق من مجرد ذلك كله.
وهو الكلام الذي يجب أن يكون واضحا للجيل الحاضر والقادم ليتحررا من قبضة المفاهيم الخاطئة والأفكار الضيقة عن حياتهم حتى لا تكون عائقا ذهنيا لأفكارهم، وحتى لا تكون قيدا ثقيلا على خطواتهم نحو نجاحاتهم وفرص عيشهم وتحركاتهم.
ومن هنا فإن الإنسان هو الذي يجب أن يغير أفكاره حول الحياة، وليس على الحياة أن تغير مواقفها منه! فالحياة حسبها أن تنتج للإنسان النسخة الحياتية التي تتماشى مع أفكاره ومشاعره.
إن الحياة ليس لها قوانين صارمة تنفذها على الإنسان كما أوهمتنا بعض الثقافات الدينية والتجارب الاجتماعية.
بل إن الحياة مسخرة من أجل الإنسان ومجهزة لخدمته.
وإنما القوانين للإنسان من أجل أن تتشكل لديه (الجاهزية والاستعداد) للفهم والدخول والحركة في الحياة ومن خلالها.
والطريق لفهم الحياة يبدأ بسؤال: لماذا أنا في الحياة؟ والذي يتطلب إعادته ثلاث مرات.
ففي المرة الأولى تجيب عنه اللحظة الآنية أيا كانت الإجابة حتى ولو كانت (لا أدري)، وعند طرح السؤال للمرة الثانية: فإن الإجابة سوف تكون صادرة من الواقع المعاش للشخص.
أما عند طرح السؤال للمرة الثالثة: فإن الإجابة سوف تكون صادرة من الطموح الذي يصبو إليه ويرغب في تحقيقه.
وعند اكتمال الأجوبة سوف يدرك الإنسان ما إذا كان في طريق النمو الحياتي؟ أو أنه كان مستهلكا فيها من قبل الأشخاص أو الأشياء؟! وبذلك سوف يكتشف الإنسان أن الحياة دائما في حياد، وأنها لا تحمل ذاكرة ضده، وأنه بمجرد وعيه وعودته إلى طريقها استقبلته كشخص جديد في ضيافتها.
لتقول له إن كل ما هو فيها ليس إلا أداة وممكنات من أجله.
وفي القرآن الكريم (وسخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعا منه)، وفيه (وسخر لكم الفلك لتجري في البحر بأمره وسخر لكم الأنهار.
وسخر لكم الشمس والقمر دآئبين وسخر لكم الليل والنهار.
وآتاكم من كل ما سألتموه وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الإنسان لظلوم كفار)، وفيه أيضا (هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا)، وإذا كان الإنسان أمام هذه الوفرة الهائلة من الممكنات، فإن مسؤوليته هي في الخيارات والقرارات، وكلما اتسعت خياراته تحسنت قراراته.
وحتى تتحقق له هذه الجودة في الخيارات والقرارات لا بد أن يكون مقدرا للحياة الكلية.
وللحقيقة فإن الحياة الكلية تعاني من عدم التقدير الإنساني لها.
وفي القرآن الكريم (ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس)، وبهذا يتأكد أن تقدير الحياة الكلية مفتاح للوجود الحي.
وحين نقول الحياة الكلية فذلك لأن الوجود تذبذبي وليس قيميا، فالإنسان مؤثر ومتأثر.
وفي الحديث (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)، ليكون الإنسان في حالة تلقائية جميلة يستقبل فيها الحياة بكل الثقة، يحتفي بوجوده ويكون جاهزا للشكر الجميل الذي من خلاله يستزيد العطاء (وإذ تأذن ربكم لئن شكرتم لأزيدنكم)، فالشكر على بصيرة يخلق وعيا في الاتصال الكوني بالنعمة أينما كانت (اللهم ما أصبح / أمسى بي من نعمة أو بأحد من خلقك فمنك وحدك لا شريك لك)، وهو ما يعني بوضوح التأكيد على جمالية الحب في فهم الحياة، فحين يمارس الإنسان الحب مع ذاته ويحقق فرديته ويتخلص من سيطرة التفكير الجمعي، وليس من خلال الدوائر المغلقة أو الأنفاق المسدودة.
تتجلى له الحياة واسعة ومبتهجة.
ومن خلال محبة الإنسان لذاته سوف يتوفر له الحب الذي يعطيه للأشياء وللأشخاص.
أي إنه لن يكون شخصا مستهلكا فاقدا لقوة الوجود.
الطريق لفهم الحياة
3 دقائق للقراءة

حجم الخط
