في أحد مراكز الشرطة بمدينة الرياض جلس الجميع ينتظر الضابط حتى يفرغ من حواره مع أطراف قضية أسرية دافعاً إياهم تجاه الصلح حتى لا تأخذ المسار الرسمي، العجيب أنهم كانوا في غرفة مغلقة ولكن كل تفاصيل الحوار كانت منقولة لنا بتفاصيلها بسبب أصواتهم المرتفعة، إضافة لطريقة معالجة القضية كانت بالطريقة التقليديّة والتي لا تخلو من التذكير بالنخوة القبلية و(الفشيلة) أمام الناس، وبعد أكثر من ساعة انتهى الحوار على لا شيء، ورجع أحد الأطراف إلى الحجز حتى يتم عرضه في اليوم التالي على هيئة التحقيق والادعاء العام.

هنا يتبادر إلى الذهن عدد من الأسئلة؛ هل دور ضابط الشرطة (إصلاح أسري واجتماعي) أم دوره هو تطبيق القانون لتحقيق الأمن؟ ما هو ذنب صاحب القضية عندما يتم إحراجه والضغط عليه باتجاه الصلح والتنازل عن حقه لاعتبارات قبلية واجتماعية؟ في المقابل هناك سؤال جوهري: ما هو دور الشرطة في (المسؤولية الاجتماعية)؟ أسئلة كثيرة تنهال هنا وهناك تحتاج لإجابات.
تفتقر مراكز الشرطة في المملكة لقسم (الخدمة الاجتماعية) والذي يفترض به أن يؤدي دور كبير في مساندة الدور الأمني المتعلق بالقضايا الأسرية والاجتماعية، فمراكز الشرطة تشهد العديد من أنماط المشكلات الأسرية بين الأزواج وبين الآباء والأبناء أو حتى بين الأقارب في قضايا لا تكاد تصل لمستوى الجريمة مثل دورها في تبادل الأطفال بين المطلقين، حيث يتم في جو مشحون يخلو من مراعاة مشاعر الأطفال الصغار ودون اعتبار لطفولتهم البريئة، بالإضافة لمشكلات المراهقين بمختلف درجاتها، فيستهلك ذلك جهدا ووقتا كبيرا من طاقة العمل والذي يعطل كثيرا من المصالح المهمة الأخرى في تتبع الجرائم والمجرمين وحفظ الأمن، وهذا هو دور قسم الخدمة الاجتماعية والذي يقع عليه الجهد في التخفيف من مثل هذه المشكلات المجتمعية ومباشرتها في بدايتها قبل أن تصل للإجراءات الأمنية، في وجود نظام يحكم وينظم عملها.
وجود قسم للخدمة الاجتماعية في مراكز الشرطة يضم أخصائيين اجتماعيين مؤهلين -من الجنسين- سيكون له مردود إيجابي كبير على سير العمل الإداري وسرعة إنهاء القضايا، وأثر على المجتمع بتقديم خدمة إصلاحية للمشكلات الأسرية والاجتماعية، ويبقى الهدف الأكبر من وجود هذا القسم هو تحقيق أكبر قدر من السلم الاجتماعي بين أفراد المجتمع وبالذات بين الأقارب وتخفيف حدة التوتر والمشكلات.
فهل نشهد انطلاقة هذه الإدارة الخدمية عن قريب؟ أتمنى ذلك.